تعيش اليونان منذ سنوات أزمة كبيرة دفعت بالبلاد إلى حافة الإفلاس. وارتسمت في الأفق إمكانية خروج اليونان من منطقة اليورو ومن الاتحاد الأوروبي.

ومنذ الانتخابات التشريعية التي عرفتها اليونان في شهر يناير من عم 2015 وفوز ائتلاف اليسار الراديكالي، المعروف بتسمية «سيريزا» بها، بدا أن هناك توجهاً جذرياً جديداً يكمن في محاولة قيام اليونان بقطيعة مع السياسة اللبرالية الجديدة التي انتهجها الاتحاد الأوروبي عموماً، والقطيعة مع سياسة التقشّف التي فرضها الأوروبيون على الصعيد الداخلي.

وتحت عنوان «أوروبا، التجربة اليونانية» يقدّم مجموعة من الباحثين والمسؤولين السياسيين، في كتاب جماعي، مساهماتهم في «النقاش الاستراتيجي»، كما جاء في العنوان الفرعي للكتاب. ذلك على اعتبار أن مثل هذا النقاش تطرحه الأزمة اليونانية على أوروبا. ويشرف على إنجاز هذا العمل الباحثان أليكسيس كوكييه وبيير كالفا.

هذا الكتاب الجماعي هو إذاً، مساهمة في هذا النقاش بكل ما يحتوي عليه من رهانات حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، وبالتالي حول السياسات العالمية، من خلال الإجابة على عدد من الأسئلة الجوهرية التي تتعلّق بمستقبل مسيرة التوحيد الأوروبي بصيغة الاتحاد الأوروبي القائم.

أسئلة مثل: ما الذي يجري تحديداً في اليونان في ظل ائتلاف «سيريزا» منذ شهر يناير 2015؟ وهل يمكن لليونان أن تخرج من الاتحاد الأوروبي؟ وماذا يترتب على ذلك؟ وما هو واقع موازين القوى داخل الاتحاد الأوروبي؟ وهل يمكن فعلياً القطيعة أوروبياً مع سياسات التقشّف ومع التوجّه اللبرالي السائد؟ وما هو مستقبل «سيريزا»؟.. الخ.

ومن خلال محاولة الإجابة على مختلف الأسئلة المطروحة في إطار النقاش الاستراتيجي حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، يتم استعراض مختلف مضامين الاتفاقيات الأوروبية وصفة «الإلزام» التي تؤكّد عليها بالنسبة للدول الأعضاء. والتأكيد أنها كلّها ترمي إلى «إعطاء الصفة الرسمية للمنظومة الرأسمالية اللبرالية الجديدة»، السارية المفعول في ظل العولمة الحالية، كقاعدة في التعامل الاقتصادي.

ما يتم تأكيده بأشكال مختلفة من المساهمين، هو أنه «تتحدد في اليونان المأزومة، اليوم، المعركة السياسية الحاسمة بالنسبة لمستقبل أوروبا»، في ضوء عدد من المستجدات التي مثّلتها أحداث سياسية كبرى ليس أقلّها قول اليونانيين «لا» في استفتاء جماهيري لسياسة التقشّف التي أراد الأوروبيون، وعلى رأسهم الألمان والفرنسيون، فرضها على اليونان.

وتوقيع الحكومة اليونانية بعد ذلك الاستفتاء، وتحت الضغط الاقتصادي والسياسي الذي مارسته المؤسسات والهيئات الأوروبية النافذة، على مذكرة إجراءات جديدة ــ «المذكّرة الثالثة»، حسب التسمية المعروفة ــ مثّل أحد موضوعات النقاش في هذا الكتاب.

ويرى الكاتب أن ذلك الاتفاق يعني «استسلام الحكومة أمام الإملاءات السياسية للمؤسسات الأوروبية وإلغاء الانتصار الذي حققه الشعب اليوناني عندما اقترع في استفتاء شعبي ضد سياسة التقشّف المفروضة أوروبيا». بكل الحالات يرى كوكييه، أن توقيع تلك المذكرة كان له آثار سياسية واقتصادية واجتماعية سيئة جداً بالنسبة للشعب اليوناني.

وما يؤكّده كوكييه، ويشاركه الرأي عدد من المساهمين، أن الحكومة اليونانية حاولت من خلال سياستها الخارجية كما من خلال علاقاتها مع الحركات الاجتماعية اليونانية ومفاوضاتها مع المؤسسات الأوروبية أن «تدخل في صف أولئك الذين اعتبروا أن التوجّه الذي اقترع اليونانيون لصالحه ليس بديلاً للإرادة الأوروبية».

العديد من المساهمين يؤكّدون في تحليلاتهم واقع «التباين الاجتماعي الكبير» بين البلدان الأوروبية وفي داخل كل بلد من البلدان المعنيّة. هذا بالتوازي مع سلسلة من المشاكل التي يشهدها المجال الأوروبي وتخص عالم العمل والعاملين والمهاجرين والذين يعانون من الهشاشة القصوى والعاطلين تماماً عن العمل.

هذا ويذكر البعض مسائل تتعلّق بـ«تفشّي الفساد» و«التهرّب من دفع الضرائب». أمام هذه المسائل كلّها يتم إقرار أنه لا بدّ من أخذ تلك المسائل كلّها على محمل الجدّ ودراستها بكثير من الهدوء والعمق بعيداً عن ضغط المشاكل ذات الطابع الآني. لكن في الوقت نفسه دراستها «بسرعة» على خلفيّة أهميتها وطبيعتها الحاسمة بالنسبة لمستقبل أوروبا.

هذه المفارقة يتم التعبير عنها في إحدى جمل الكتاب بـ«أخذ الوقت الكافي، لكن ذلك لا يحتمل التأجيل». مساهمات عدة في الكتاب أكّدت ضرورة العمل على تجسيد واقع «المجال السياسي الأوروبي الموحّد».

هنا يتم في إطار النقاش الاستراتيجي طرح المسائل المتعلّقة بكيفية التوفيق بين واقع دول أوروبا الشرقية والوسطى، الشيوعية سابقاً، وتباين المصالح بين البلدان وداخل كل بلد. والإشارة إلى أن هناك الكثير من التباين، وأحياناً التناقض، في منظور المستقبل. الأمر الذي يتم التعبير عنه في إحدى المساهمات حول المجال السياسي الأوروبي بسؤال مفاده: «بناء المجال السياسي الأوروبي داخل أم خارج أم بمواجهة الاتحاد الأوروبي؟».

 

Europe, l’expérience grecque

Alexis Cukier et…

Le croquant

Paris - 2016

232 PP