من المعروف أن نظام الاتحاد السوفييتي السابق كان ذا طبيعة قمعية وكانت إجراءات الرقابة فيه شديدة. هكذا لم يتردد مسؤولوه في ممارسة رقابة كاملة وشاملة على مختلف أشكال التعبير عن الرأي أو التواصل الجماهيري خارج الأقنية الرسمية. ولم يكن أمام الأجهزة الأمنية السوفييتية، وعلى رأسها جهاز الـ «كا جي بي» الشهير، أي عائق للقيام بعمليات التجسس بكل أشكالها.
والسؤال الكبير الذي يبحث كُثر عن الإجابة عنه يتعلق بكيفية تعامل النظام الروسي الحالي، بعد زوال الاتحاد السوفييتي، مع مسألة حريّة التعبير والممارسة خاصة مع الثورة الرقمية وما أثمرته من تكنولوجيات ووسائل اتصال اجتماعي عبر عالم الشبكة العنكبوتية «الإنترنت».
محاولة الإجابة عن هذا السؤال هي موضوع كتاب صحفيي التحقيقات الروسيين «اندريه سولداتوف» و«إيرينا بوروغان» في كتابهما الذي يحمل عنوان «الشبكة العنكبوتية الحمراء» الذي يبحثان فيه عن كواليس العلاقة بين «المستبدين الرقميين والثوريين الجدد في روسيا».
وتبدو محاولة الربط أكثر وضوحاً عندما تتم المقارنة بين مشروع «جوزيف ستالين» في إقامة رقابة سياسية شاملة على البلاد وبين ما تريده السلطة الروسية الحالية، وكأنها تريد استكمال المشروع الستاليني في مضمار ممارسة الرقابة الشاملة والكاملة.
وعلى مدى قسم هام من صفحات هذا الكتاب يقوم المؤلفان بعملية تقصٍّ ــ هما يعملان في مجال صحافة التحقيقات ــ عن أصول برامج ومشاريع الرقابة في روسيا الحديثة. ويشيران بأشكال مختلفة أنه على مدى عقود طويلة أخيرة، ومنذ أن تمّ تحطيم أوّل آلة تصوير وثائق ــ فوتوكوبي ــ في سنوات الخمسينيات من قبل الأجهزة الحكومية لأنها «قد تخدم في نشر معلومات غير صادرة عن الجهات الرسمية»، حاولت السلطة السوفييتية وعلى غرارها السلطة الروسية في ظل فلاديمير بوتين، استخدام أقصى الإمكانات والطاقات من أجل معرفة «من يفعل ماذا... ومتى... وأين... ولماذا؟».
ويشرح المؤلفان أن عودة أجواء الرقابة في روسيا في ظل الثورة الرقمية تترجم في واقع الأمر نوعاً من «عودة القلق الرسمي الذي عرفته الحقبة السوفييتية فيما يتعلّق بخطر حرية المعلومات والإعلام». هذا خاصّة أن المتظاهرين المناوئين لبوتين كانوا قد نظّموا حركتهم في شهر ديسمبر عام 2012 عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
الأمر الذي ردّت عليه السلطات الحكومية بتعزيز «منظومة الرقابة على شبكة الإنترنت» والتزوّد بتكنولوجيات جديدة للتعرّف على الفاعلين في الحركات الاحتجاجية. يشرح المؤلفان أن إجراءات الرقابة على عالم الشبكة العنكبوتية تعززت منذ احتجاجات ديسمبر 2012.
ويشرحان أن عودة القلق تمّت على خلفية دخول «الحواسيب المحمولة» في سنوات الثمانينيات المنصرمة إلى روسيا ثم «دخول الإنترنت» في سنوات التسعينيات لتبرز بناء على ذلك إمكانات ممارسة حريّة التعبير. مثل تلك الإمكانات قابلتها السلطات الرسمية، كما يشرحان أيضا، بكل ما يمكن أن «يشلّ نشاطها أو يحدّ إلى أقصى ما يمكن منه»
. ومن الملاحظات التي تتكرر بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن طريقة الحكم التي يمارسها فلاديمير بوتين تختلف بصورة كبيرة مع الطريقة التي سادت في ظل حكم بوريس يلتسين، الرئيس الروسي الأوّل لما بعد الشيوعية، بينما تتشابه إلى حد كبير مع تلك التي كان يمارسها «الدكتاتور الأحمر»، جوزيف ستالين.
هذا مع التأكيد في الوقت نفسه أن بوتين غيّر من أسلوبه في التعامل مع عالم الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي مع تطوّر سلطته. لقد قام في نهاية عام 1999، قبل تولّيه منصب الرئاسة رسمياً في مطلع عام 2000، بجمع نخبة من أفضل خبراء الإنترنت في البلاد. ويشير المؤلفان أن وزير الإعلام الروسي آنذاك «ميحائيل ليزين» قدم اقتراحاً كان الهدف منه بوضوح هو البحث في كيفية التوصّل إلى الرقابة على وسائل التواصل عبر الشبكة العنكبوتية. لكن ذلك الاقتراح «لم يمرّ» حيث اعترض عليه أحد الحضور متهماً بغضب الحكومة أنها تريد فرض إرادتها عنوة.
وكذلك «اعترض بوتين نفسه على الاقتراح». يشير المؤلفان أن تلك الأجواء سادت في عام 1999 حيث لم يكن يخيّم شبح الخوف من خوض أي نقاش سياسي أو غيره. لكن الأمر تغيّر تماماً بعد أن أصبح بوتين هو رجل القرار الوحيد، حيث إن «نخبة الإنترنت» التي كان قد جمعها وجددها لم يعد أحد من أعضائها «يجرؤ» ــ إلا ما ندر، حسب تعبير المؤلفين ــ على الاحتجاج على سياسة الكرملين أو حتى توجيه الكلام لفلاديمير بوتين. ويعرب المؤلفان بأشكال مختلفة عن تساؤلهما، بل دهشتهما، حيال السرعة التي قبل بها الذين زوّدوا روسيا بخدمات الإنترنت أن يرضخوا لمطالب الحكومة الروسية لوضع آلات «تجسس»، أي «العلب السوداء» المعروفة في روسيا تحت تسمية «سورم»، تتيح الاطلاع على كل ما يدور من محادثات متنوّعة بين المستخدمين الروس للشبكة العنكبوتية. بهذا المعنى أيضا يتم التأكيد على الاستمرارية بين النظام السوفييتي والنظام الروسي الحالي، وما يسميه المؤلفان «أحد أعراض الاستمرارية»، وكأن المسألة تتعلّق بمرض ما.
في المحصّلة يؤكّد المؤلفان أن الإنترنت في روسيا هو بمثابة «أرض معركة حقيقية» بين مستخدمي الشبكة التي يرون بها «أداة للحريّة»، وبين السلطات الرسمية ممثلة بالحكومة والمسؤولين السياسيين والثقافيين الذي يرون، من جهتهم، في شبكة الإنترنت «أداة رقابة سياسية فاعلة».
