كثيرة هي التوصيفات التي تتردد بقصد إعطاء المصداقية للمقولات أو الأطروحات التي يجري تقديمها. وفي مقدمة تلك التوصيفات تلك التي يتم نعتها أنها علمية أو يتم وضعها تحت خانة العلم. هكذا يتم الحديث عن البحث العلمي والطريقة العلمية والنظريات العلمية والمنهج العلمي.... والسلسلة تطول.

لكن ما هو العلم؟ وهل هو السبيل الوحيد من أجل تقديم الحقائق الكونية، «اليونيفرسال»؟ و هل هناك مشارب أخرى مثل الفن والأدب يمكنها تقديم وسائل أخرى لفهم تلك الحقائق؟ وما الذي يميّز الطريقة العلمية عن غيرها من الطرق؟ وعمّا يتحدث البشر تحديدا عندما يطرحون قضية العلم؟.

وأسئلة أخرى كثيرة في نفس السياق يحاول «تيم لوينس»، أستاذ فلسفة العلوم وتاريخها في جامعة كمبردج، أن يجيب عليها في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «دلالة العلم».

يبدأ تيم لوينس تحليلاته حول العلم ودوره وعلاقته بالفلسفة بالإشارة إلى التعقيد الكبير الذي تكتسيه دلالته العامة في الحضارة الحديثة. ودون أن يخوض في اي تعريف بالمعنى القاموسي للعلم، يبيّن كيف أنه كان موضوعا لنقاشات عميقة من زوايا تتباين فيها وجهات النظر تبعا للمجال المطروح.

ذلك على أساس أنه هناك تباين حقيقي بين العلم من حيث الرؤية الأخلاقية ومن حيث رؤيته البيولوجية أو الطبيّة. هكذا يشير أنه كان هناك مثلا في كثير من الأحيان نوع من «التعارض» بين علماء النفس والباحثين في مجال العلوم العصبية وبين المهتمّين بعلوم الأخلاق. وأن العلاقة بين العلم والفلسفة تبقى من أكثر المسائل تعقيدا على مدى التاريخ الإنساني كلّه.

لكن المؤلف يصل في نهاية المطاف إلى التأكيد أن العلماء في مختلف المشارب يجدون أنفسهم أمام نفس المشاكل المتعلّقة بالمفاهيم التي طرحها الفلاسفة على أنفسهم منذ قرون عديدة. والتأكيد في نفس الإطار أن «الفلاسفة يتعلّمون أشياء كثيرة عندما يبدأ العلماء باحتلال المواقع التي تعود تاريخيا إلى مجال العلوم الإنسانية».

تجدر الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب يقدم على مدى صفحات هذا العمل الإجابات التي تقدّمها الفلسفة حول ماهيّة العلم وطرقه وما يتميز فيه عن غيره من سبل البحث والتنقيب عن حقائق الأشياء التي تحيط بالبشر. ويتم في هذا السياق السؤال التالي: إذا كان العلم ينظر إلى كل شيء، هل يفهم كل شيء؟.

ومن الميزات الأساسية التي يتحلّى بها هذا الكتاب انه سهل يسمح بفهم مواضيع «العلم» و«الفلسفة» المعقدّة دون عناء كبير. والتأكيد في جميع الحالات أن البحث العلمي يتطلّب قدراً كبيراً من الحياد. هذا إلى جانب التأكيد أن الطرق العلمية تتطلب بالضرورة قدرا ما من الذاتية.

ذلك بمعنى أن الحكم الشخصي ضروري ومطلوب من أجل اختيار التجارب التي يمكنها أن تكون مجدية وحاسمة. والتأكيد بالوقت نفسه على جانب إمكانية التأكّد من صحتها عبر اختبارها. والتأكيد بالتوازي على ضرورة طرح الأسئلة «الأكثر أهميّة بالنسبة لجميع البشر».

يشرح المؤلف أن العلم قدّم للإنسانية إنجازات لا تعدّ ولا تحصى في مختلف الميادين والمجالات. وطالت الشروحات التي زوّد بها المعرفة الإنسانية أبسط الظواهر ووصولا إلى «الثقوب السوداء». والتأكيد أن المعارف العلمية «ليست بعيدة عن الأحكام الأخلاقية والحساسيات الجمالية» عند البشر.

ومن المسائل الجوهرية التي يؤكّد عليها المؤلف أن العلوم صاغت في العديد من الحالات نوعا من التحذير لبني البشر حيال مخاطر وتهديدات بالنسبة لمصيرهم ومصير البشرية حتى في المستقبل البعيد. ذلك مثل تلك التي تتعلّق بالتغير المناخي. والقناعة أنه بإمكان العلم بالتالي أن يلعب دورا في تحضير هذا المستقبل.

ويركز المؤلف على القول ان الموضوع الأساسي لهذا الكتاب هو بالتحديد فلسفة العلوم. هكذا يجد القارئ نوعا من العرض التاريخي لهذا المشرب الذي يعيد المؤلف جذوره في الغرب إلى اليونانيين القدماء. هذا مع إشارته إلى تباين اهتمام العاملين في حقل العلوم بهذا الفرع الفلسفي.

وينقل «تيم لوينس» عن الفيزيائي الأميركي «ريشارد فينمان»، الحائز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1965 قوله: «إن فلسفة العلوم مفيدة لرجال العلم بمقدار فائدة مبحث علم الطيور بالنسبة للطيور».

والكتاب يشكّل بالدرجة الأولى شرح أهميّة الانفتاح عل مختلف مشارب العلوم وخاصّة في اهتمام المؤلف بشرح قيمة فلسلفة العلوم. ومحاولة تبيين كيف أنها «مهمّة بمقدار ما هي مفيدة».