الصين هي أكبر بلدان العالم بعدد سكان يتجاوز المليار وثلاثمائة مليون نسمة. ومن المعروف أن السلطات الصينية قررت تطبيق سياسة لتحديد النسل ما بين عام 1975 وعام 2015. كان القصد من تلك السياسة تجنّب «الانفجار السكاني». كمُنت تلك السياسة بشكل أساسي في تبنّي الطفل الوحيد لكل أسرة واللجوء إلى إجراءات حاسمة لتطبيق ذلك عبر اللجوء إلى الإجهاض والعقم «القسريين».

وسياسة الطفل الوحيد وما رافقها من إجراءات وما نتج عنها من نتائج «مفيدة ومسيئة جداً» على الصعيدين الفردي والاجتماعي، ومختلف المسائل المتعلّقة بتلك السياسة هي موضوع كتاب «كسينران»، الكاتبة الصينية المقيمة في المملكة المتحدة البريطانية منذ عام 1997 ..

والتي قدّمت عددا من الكتب عن المجتمع الصيني. يحمل الكتاب عنوان «اشتروا لي المستحيل»، وعنوانه الفرعي: «الحقيقة حول أجيال الأطفال الوحيدين في الصين»، والمقصود هو الجيل الأول من الأطفال الوحيدين في الصين.

وتشير المؤلفة أن اختيارها لعنوان هذا العمل جاء نتيجة حوار سمعته بين طفلة وأمّها. ألحّت فيه الطفلة على أمّها أن تشتري لها «النهر الذي كانتا تسيران إلى جواره». وانتقل بها الأمر أن طلبت أيضا من أمّها أن تشتري «لها نجمة في السماء». ذلك الحوار رأت فيه المؤلفة سعي الأهل لتقديم كل ما هو ممكن وأكثر من أجل سعادة اطفالهم. والأمر يذهب أبعد عندما يكون الطفل وحيد أهله مثلما هو الأمر في الصين غالبا.

تهدي المؤلفة هذا العمل إلى «أولئك الأطفال الذين أعتبرهم كأبنائي والذين واللواتي هم كأخوة وأخوات لابني بانبان». وبعد أن تشير أن الأطفال المعنيين هم في العشرينات مثل ابنها، من جيل الأطفال الوحيدين، تشرح في الصفحات الأولى علاقتها الحميمة مع الصين من خلال هؤلاء الأطفال وكيف أنها حرصت على أن تعود بانتظام، وبأكبر قدر ممكن، إلى «الوطن الأم»..

وحول الصين اليوم، التي هي أيضا من مواضيع كتابها، تختزل رؤيتها للصين الجديدة كما آلت إليه بعد العقود الأخيرة من الانفتاح على العالم بالجملة التالية: «ما يجري في الصين يتجاوز كثيرا كل ما يمكن أن يجده الإنسان في الكتب المدرسية أو ما تتضمّنه الوثائق التاريخية». وتحدد القول ان هذا التغيّر الاجتماعي الهائل تمّ على خلفيّة مسار التطور الكبير الذي سلكته «الصين الصاعدة».

إن المؤلفة تشرح بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن التطور الكبير الهائل والمتسارع بوتيرة كبيرة خلق في الواقع تغيّرا كبيرا في العلاقات الاجتماعية بحيث انه هناك هوّة تتسع أكثر فأكثر بين الأجيال. وهذا المجتمع «تتسارع أيضا وتيرة تغيّره بصورة لا مثيل لها في السابق»، كما تكتب المؤلفة.

تغيّر المجتمع الصيني تدل عليه المؤلفة من خلال تباين موقف الصينيين من قضية «ياو جياكسين» الذي دهس بسيارته امرأة شابة حامل، وكي لا يترك أثرا للحادث طعن بسكين الضحيّة حتى الموت. الصينيون انقسموا حيال الحكم عليه إلى ثلاثة تيارات.

تيار رأى أن عدم عقاب «ياو» يعني «موت العدالة في الصين». وتيار آخر طالب بضرورة أخذ واقع الطفل الوحيد بعين الاعتبار. أمّا التيار الثالث فيعتبر أن حياة طفل وحيد درس الموسيقى وأنجز دراسات عليا هي «اكــثر قيمة من حياة فلاّحة بدون ثقافة».

وما تركّز عليه المؤلفة بالنسبة لأجيال الأطفال الوحيدين هو أنهم يعانون من «قدر كبير من الهشاشة». ذلك إلى جانب «العزلة الكبيرة» التي عاشوها بعيدا عن «متعة المشاركة» مع الاخرين. وتتحدث المؤلف بصددهم عن «عصر من العزلة خلق جيلا من الأشخاص الوحيدين». وتضيف أن أبناء «جيل الأطفال الوحيدين» يعيشون وحيدين وفي حالة تقوقع على الذات«. لكنهم أيضا»يهرمون وحيدين«.

وتشير المؤلفة بأشكال مختلفة إلى المفارقة الكبرى التي عاشها أبناء جيل الأطفال الوحيدين في الصين. فمن جهة يعيشون وحيدين دون أخوة أو أخوات يشاركونهم حياة الطفولة وأشياءها. ومن جهة أخرى ينعمون بـ»بحر من الوفرة الماديّة«التي أمّنتها لهم سنوات صعود الصين الأولى.

والإشارة أن تلك السلطات عرفت مرحلة من»التقدّم والتراجع«لتقرر تنفيذ مشروعها. وحددت أن الطفل الوحيد هو»واجب على الشيوعيين ومسؤولية بالنسبة لجميع المواطنين«.

هذا مع السماح بولد ثانٍ في الأرياف شريطة تحقق جملة من الشروط مثل أن يسمح الوضع الاقتصادي بذلك أو أن يكون المولود الأول أنثى. تشير المؤلفة بهذا الصدد أن الصين تعاني اليوم من خلل في التوازن بين الجنسين حيث هناك الملايين من الذكور أكثر من النساء. واستثناء آخر قررته السلطات بالنسبة للإثنيات من الأقليّات حيث جرى السماح لها ما بين طفلين إلى ثلاثة اطفال.

وتشرح المؤلفة في المحصّلة أن نسبة هامّة من أبناء الجيل الأول من الأطفال الوحيدين قد أنجزوا اليوم دراساتهم الجامعية وهم يخوضون منذ مطلع هذا القرن الحادي والعشرين غمار تجربة العمل. ولا تتردد في التصريح أن الأطفال المعنيين كانوا بالنسبة لها بمثابة»أبناء«و»أساتذة«بالوقت نفسه.

وتشير المؤلفة أن أحد الدوافع الأساسية التي كانت وراء إنجازها هذا الكتاب تمثّل في محاولة الإجابة التي رددها على مسامعها ابنها بعد زياراته للصين، كما سمعتها من آخرين كثيرين غيره. أسئلة من نوع: ما الفرق بين الصين والبلدان الأخرى؟ ومن يمثّل الصين اليوم؟ و هل يمثّلها»أصحاب الياقات البيضاء«أم الفلاّحون ؟ وكيف يمكن الجمع بين حكم الحزب الواحد وصين الاقتصاد المفتوح على السوق العالمي ؟...الخ.