مما يقال ويتردد عن العاصمة البريطانية لندن أنها المدينة العالمية بامتياز. هذا بالاعتماد على الدور، الذي لعبته في مختلف ميادين السياسية العالمية، وقبل كل شيء في مجال الاقتصاد، حيث كانت المركز العالمي، بامتياز أيضاً، لحركة رؤوس الأموال ومقر البنوك الكبرى منذ قرون.
وبالعودة أيضاً إلى قرون عدة خلت تبدو لندن بمثابة مهد ما يسمى الديمقراطية البرلمانية وأول بلدان العالم التي ألغت العبودية. وفي المحصلة هي مدينة عالمية، كما ترسخت صورتها في الأذهان.
امتلكت لندن باستمرار طابعاً عالمياً، الأمر الذي يبدو من خلال تاريخها العريق، وعبر تواجد مختلف الأعراق والأجناس والقوميات في لندن المعاصرة إلى جانب اللندنيين، الذين يقطنون فيها جيلاً بعد جيل. لندن المعاصرة هذه بكل مظاهرها وتنوعها هي موضوع كتاب «بين جوداه»، الصحافي البريطاني، الذي عمل سنوات في أوروبا الشرقية، الذي يحمل عنوان «هذه هي لندن»، وعنوانه الفرعي «الحياة والموت في المدينة العالمية».
هذا ما يعبر عنه المؤلف بجملة في مطلع الكتاب مفادها: «أنا من مواليد لندن، ولكنني لم أعد أستطيع التعرف على هذه المدينة»، الأمر الذي يعيده بشكل رئيس لموجات الهجرة التي تعاقبت على المدينة بدافع الميزات التي يلقاها المهاجرون فيها، وما أعطى للمدينة صورتها المتنوعة والمتعددة المشارب.
يكتب المؤلف أيضاً عن لندن: «إنها مدينة تقل نسبة 55 في المئة من سكانها عن الانحدار من الأصول الإتنيّة نفسها بينما نحو 40 في المئة من قاطنيها هم من مواليد بلدان أجنبية و5 في المئة يعيشون بصورة غير نظامية، في الظل». والإشارة إلى أن المؤلف يقدم العديد من المقارنات والإحصاءات حول تناقص عدد «اللندنيين الأصليين، البيض» بالنسبة للأعراق الأخرى خلال العقود الأخيرة.
إن توصيف المظاهر الجديدة بالنسبة للندن يقوم به المؤلف عملياً في مختلف فصول الكتاب الـ 25. وإذا كان يولي اهتمامه لمختلف الشرائح فإنه يركز في أغلبية هذه الفصول على الشرائح الأكثر فقراً، وذات الأصول المهاجرة غالباً، التي يصل الأمر بها في الكثير من الأحيان إلى ما يقارب التشرد.
وما يعني في المحصلة تركيز المؤلف على توصيف الكيفية التي أسهم فيها المهاجرون، المولودون خارج بريطانيا، في تغيير مظهر عاصمتها، خاصة على صعيد محيطها، لكنه يذهب في استنتاجاته أبعد من ذلك، حيث يؤكد القول: «إن مجتمعنا اليوم هو بصدد التبدل».
هكذا يصف «بين جوداه» على مدى الكثير من الصفحات حالة أولئك الذين يمضون الليالي في الممرات والأنفاق «المسقوفة» تحت حديقة «هايد بارك الشهيرة» أو في أمكنة شبيهة مثل تلك المستخدمة لجمع النفايات في ورشات البناء أو في زوايا الأقبية وهياكل السيارات القديمة. وفي جميع الحالات يتم التأكيد أن مختلف تلك الأمكنة تفتقر إلى الحد الأدنى مما تتطلبه الكرامة الإنسانية.
ومن خلال توصيف حالة أعداد تتعاظم من أولئك الذين يعيشون في العاصمة البريطانية لندن، والأغلبية العظمى منهم من المهاجرين، ظروفاً من الهشاشة المفرطة، ومن خلال شهادات وقصص العديد منهم عن «مغامرة» الوصول إلى «الفردوس اللندني والأحلام الوردية المفرطة في التفاؤل»، يشرح المؤلف المراحل التي يتقاسمون غالباً عيشها.
ويلخص المؤلف تلك المراحل بالنسبة للجميع تقريباً في حالة الاندهاش التي تعتريهم في مرحلة أولى أمام الواجهات المضاءة والمعروضات من كل صنف ونوع المكرسة لجلب الزبائن ومظاهر الحضارة التكنولوجية المختلفة وليس أقلها مترو لندن الشهير..
لكن تلك الأحلام التي حملها الوافدون إلى لندن يتكشف مع مرور الزمن أنها كانت بمثابة «أوهام» في مخيلتهم وليس واقعاً حياً سيتنعمون فيه سوى بالنسبة لقلة قليلة منهم. ذلك أن نسبة كبيرة منهم سيجدون أنفسهم مرغمين في مرحلة لاحقة على البحث عن أعمال بسيطة مقابل أجور متواضعة جداً.
وفي أغلب الأحيان في قطاع الخدمات وفي أعمال لا تتسم بالاستدامة. وفي أغلب الأحيان أيضاً يجد المعنيون أنفسهم مرغمين على البحث عن مسكن متواضع في الضواحي البعيدة نسبياً عن قلب لندن. من الملاحظ أن المؤلف لا يصدر بهذا الصدد أية أحكام شخصية، بل يقدم التوصيف و«يترك لندن تتحدث عن نفسها»، كما يشير.
ويقدم المؤلف سلسلة طويلة من الأمثلة على الحالات المعنية، وليس أقلها دلالة أن الكثير من العاملين في تنظيف شوارع لندن يستيقظون في الفجر يومياً ثم يمضون ساعات عدة في حافلات النقل الليلية للوصول إلى أماكن عملهم وتأمين منظر نظيف للندنيين الذاهبين إلى مكاتبهم.
وهذا الواقع يمثل، كما يشرح المؤلف، عاملاً مهماً في رسم خريطة ديموغرافية جديدة لسكان لندن ولتوزعهم بحيث أصبحت بعض ضواحي المدينة القريبة شبيهة بـ«أحياء مكرسة لفئات محددة ــ غيتوات». والنتيجة هي أن «الضواحي بصدد التغير، فالمهاجرون يتكدسون على الأطراف. والبؤس يبتعد في السياق الحالي عن مجال الرؤية».
وصورة المدينة كلها تأخذ بالنتيجة ألوان جديدة. مما يكتبه المؤلف في توصيفه لواقع ذلك على الأرض نقرأ نقلاً عما أسر له به أحد رجال الشرطة البريطانية ما مفاده: «نحن في بيكام، حيث يتواجد الأفارقة وفي نواحي ويتشابل هناك البنغاليون وأبعد من ذلك شرقاً يتواجد الباكستانيون، ومن جهة الغرب في بريكستون هناك الجامايكيون. أستطيع الاستمرار أكثر فأكثر في السلسلة نفسها».
ولا ينسى المؤلف في التأكيد أن رجل الشرطة صاحب الجملة السابقة ليس «عنصرياً بالولادة»، فهو في الأصل أحد المهاجرين الذين قدموا من نيجيريا في أفريقيا. لقد وصل إلى لندن عام 1989 «مع حلم أن يغدو رجل أعمال وصاحب ثروة بالملايين». في المحصلة ما يكتبه المؤلف عن لندن لا يبدو بعيداً عن الأجواء التي وصفها الروائي البريطاني الشهير «جورج اورويل»، الذي يـأتي المؤلف على ذكره مرات عديدة.
إن مؤلف هذا الكتاب المولود في لندن، وخريج جامعة أكسفورد في مجال دراسة التاريخ البريطاني الحديث، حدد هدفه منه في تقديم «لندن المعاصرة بجميع ألوانها»، التي يرى أن فيها الكثير من المظاهر الجديدة. وبالتالي يرى أنه لا يمكن الاكتفاء بتلك التوصيفات العامّة ــ الكليشيهات ــ للتعبير عن واقع المدينة اليوم.
ومن الأفكار الأساسية التي يؤسس المؤلف عليها تحليلاته وتوصيفاته، دون الإفصاح عن ذلك صراحة، للعاصمة البريطانية لندن أن التأثير الإيجابي للهجرة على الصعيد الاقتصادي له أيضاً وجهه الآخر الأكثر «قتامة» على مدينة لندن.

