من التوصيفات التي تقال عن الرأسمالية العالمية بنسختها الحالية انها «آلة نابذة كبيرة». المثال البليغ والحي الذي يتم تقديمه على ذلك هو تلك الملايين من الأميركيين وجدوا أنفسهم مطرودين من منازلهم بعد انطلاق الأزمة المالية والعالمية الكبرى في خريف عام 2008 ، حيث وجدوا أنفسهم عاجزين عن تسديد القروض التي كانوا قد حصلوا عليها في ظل «تسهيلات» قدّمها الدائنون ــ البنوك ــ من أجل الحصول على مكاسب مالية كبيرة وسريعة.
هذه الظاهرة الخاصة بمختلف عمليات الطرد والاستبعاد الاجتماعي في ظل العولمة الراهنة واقتصادها الشامل هي موضوع الكتاب الأخير لـ «ساسكيا ساسن»، الباحثة الاجتماعية والاقتصادية الأميركية من أصل هولندي والأستاذة في جامعة كولومبيا ومؤلفة العديد من الكتب. يحمل هذا الكتاب الجديد عنوان «عمليات الطرد» وتعالج فيه «العنف المفرط والتعقيد في الاقتصاد العالمي الشامل»، كما يقول العنوان الفرعي.
تجدر الإشارة أن هذا الكتاب كان قد صدر للمرّة الأولى باللغة الانجليزية عن جامعة هارفارد عام 2014 حيث لقي الكير من الاهتمام والترحيب ويصدر في مطلع هذا العام 2016 باللغة الفرنسية بعد إثرائه ببعض المعطيات المستجدّة.
إن «ساسكيا ساسن» ترصد مجموعة من الظواهر السائدة في ظل اقتصاد العولمة السائد والتي تبدو أن لا علاقة بينها لتشرح أنها تخضع مع ذلك، رغم الاختلاف الظاهري الكبير بينها، لنفس المنطق الذي خلقته النسخة الرأسمالية المالية العالمية الشاملة الراهنة. وفي جميع الحالات يتم تطبيق مفهوم واحد وحاضر باستمرار هو «الطرد والاستبعاد» المشار له في عنوان هذا الكتاب.
هكذا تشير المؤلفة في مطلع تحليلاتها أنه، إلى جانب ما بين تسعة ملايين وأربعة عشر مليوناً من الأميركيين الذين تمّ طردهم من بيوتهم، هناك الملايين من الأوروبيين والأميركيين في بلدان جنوب القارّة الأميركية قد جرى طردهم من أعمالهم ليعيشوا ظروف البطالة القاسية بسبب خطط التقشّف التي فرضتها المنظمات الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
هذا مع إشارة المؤلفة إلى «برامج التقشّف» التي فرضها الاتحاد الأوروبي على البلدان الأعضاء وصولاً إلى مطالبة الدول المعنيّة ببيع نسبة مهمّة من تراثها العمراني في السوق الدولية وبأسعار متدنية. هذه الآليات كلّها في فرض برامج تقشّف وغيرها من المؤسسات والمنظمات والدول الكبرى تضعها المؤلفة تحت عنوان كبير هو «التصفية الاقتصادية».
يضاف إلى ذلك الملايين من مربي المواشي والمزارعين في مختلف مناطق العالم الذين جرى طردهم من أراضيهم التي باعتها دولتهم لدول أخرى لاستثمارها في مزروعات لهدف صناعي في مجال الطاقة وغيرها أو لتأمين تغذية شعوبها. والإشارة بهذا الصدد أنه منذ عام 2006 تمّ شراء 200 مليون هكتار من الأراضي من قبل المستثمرين أو الحكومات. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى اليونان التي باعت مساحات كبيرة من أراضيها للعالم الخارجي.... والقائمة لا تزال طويلة.
وتكرّس المؤلفة العديد من صفحات الكتاب لما تعتـــبره نوعاً من «الطرد البيئي». ذلك عبر عمليات التدمير الذي يمارسها الاقتصاد العالمي منذ حوالي نصف قرن من الـــزمن. وفي مقدمة أسباب التدمـــير تذكر المؤلفة التلوّث البيئي وآثاره على الزراعة وعلى مصادر التغذية، والاستخدام الكبير للمواد البلاستيكية وإلقائها في البحار والمحيطات وآثارها السيئة وربما المدمّرة للثروة السمكية.
هذه المسائل كلّها تعالجها المؤلفة في أربعة محاور ــ أقسام تتوزع بينها مواد هذا الكتاب. يحمل المحور ــ القسم الأول عنوان «أنماط اقتصادية تتقهقر وعمليات طرد تتعاظم»، حيث تتم معالجة تناقضات آليات عمل الاقتصاد الشامل اليوم. والثاني مكرّس لدراسة «السوق العالمي الجديد للأراضي» لشرح الآليات المتبّعة للتحضير لامتلاك الأراضي في بلدان أجنبية.
ثم محور ــ قسم عن «التمويل وقدراته: الأزمة كمنطق للمنظومة السائدة». وأخيراً يتم تحت عنوان «أرض ميتة، مياه ميتة» التعرضّ لمسائل الأرض والنفايات الصناعية وآثارها على التربة والماء.
وفي الوقت الذي يرى فيه الكثير من الباحثين والأخصائيين أن الظواهر المشار لها تعبّر عن تعقيد الوضع القائم لكنّ لكل منها منطقها الخاص ولا تخضع لأي قانون عام، فإن مؤلفة هذا الكتاب «تلغي الحدود» بينها. وترى أنها جميعها وليدة واقع العالم السائد..
حيث الشمال ضد الجنوب والأغنياء بمواجهة الفقراء وبالتالي تتعاظم أشكال التفاوت الاجتماعي والاقتصادي لتصبح كبيرة إلى درجة أنها تجد ترجمتها في «أنماط عديدة من الطرد والاستبعاد».
ذلك كلّه على خلفية الاستخدام السيىء للتكنولوجيات الرقمية وإعطاء هوية مالية، وليست إنتاجية حسب المفاهيم التقليدية للرأسمالية، للنشاط الاقتصادي. وهنا أيضاً ترى المؤلفة أن النتيجة الأكثر خطورة تكمن في سيادة ذلك المنطق، «منطق الطرد والاستبعاد»، كما تشرح على مجمل صفحات الكتاب.
ومن الظواهر التي تؤكّد عليها المؤلفة بأشكال مختلفة في هذا الكتاب أن الاقتصاد العالمي السائد اليوم يشكّل قطيعة كبيرة مع الاقتصاد الرأسمالي الإنتاجي الذي «دمج» في النصف الثاني من القرن العشرين الكثير من الشرائح في النشاط الاقتصادي وخلق طبقة وسطى واسعة ومتماسكة.
أمّا اليوم فهناك مسار انحداري لمجموعة من الشرائح في مختلف المجتمعات. ذلك «الانحدار» تعبّر عنه بأن الطبقات الوسطى تفقد مواقعها لتنضوي في فئة الفقراء بينما الفقراء أصلاً تزداد درجة بؤسهم أكثر فأكثر.

