تسود خلال الفترة الأخيرة نقاشات واسعة في فرنسا حول مستقبل البلاد. وتتوزّع الأفكار المطروحة بين تيارين أساسيين كبيرين. تيار المتفائلين بالمستقبل الذين يرون أن فرنسا تستطيع النهوض ولعب دورها الريادي التاريخي على مختلف الأصعدة والمجالات، بل التأكيد أنه هنّاك ملامح للنهوض ترتسم الآن.
وتيار آخر يمثّل «المتشائمين» يرى أن مستقبل فرنسا ضبابي وأن شبح أزمة يرتسم في الأفق وأزمة ستكون بنظر الكثير ممن ينضوون في خانة هذا التيار أقسى وأعمق من الأزمات السابقة وتحمل تهديدات «كارثية».
ومن بين أبرز ممثلي هذا التيار الثاني «المتشائم»، المؤرّخ والاقتصادي والمحامي والكاتب السياسي الفرنسي «نيكولا بافوريز»، صاحب كتاب «فرنسا التي تسقط» الصادر عام 2003.
وهو يعود اليوم من جديد لنفس الموضوع وبقدر أكبر من التحذير في كتابه الصادر في مطلع شهر مارس 2016 تحت عنوان «الرقص على فوهة البركان» والذي يبحث فيه «الآمال والمخاطر في القرن الحادي والعشرين»، كما جاء في العنوان الفرعي.
ويرى بافوريز أن مستقبل فرنسا، وربما الغرب عموما، يتعلّق إلى حد كبير بالإجابة على عدد من الأسئلة الجوهرية. ومن أهمها: هل من الممكن القضاء على الإرهاب؟ وهل روسيا، بزعامة فلاديمير بوتين، هي خصم أم حليف؟
وهل لا يزال هناك متسع من الوقت من أجل تجنّب الأزمة المالية؟ وهل ستؤدّي الثورة الرقمية إلى تحوّل كبير في الرأسمالية أم أنها ستقضي خاصّة على الطبقات الوسطى؟ وما هي الآليات التي تسمح بانطلاق الاقتصاد؟...الخ.
وعبر محاولة نيكولا بافوريز الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها مما يطرحها كُثر على أنفسهم حيال منظور المستقبل، يقوم بعملية تحليل لأشكال التغيرات الجيوسياسية التي يعرفها العالم في الحقبة الراهنة، ولظاهرة تعاظم دور الإيديولوجيات العقائدية في الفترة الراهنة، ولنتائج الثورة الرقمية وما أحدثته من تقدّم هائل على الصعيد التكنولوجي.
هذا مع دراسة ذلك كلّه على ضوء المخاطر التي تثقل على مستقبل البلدان الغربية التي يُطلق عليها بشكل عام توصيف «الديمقراطيات اللبرالية».
بالنسبة لفرنسا التوصيف الذي «يقدّمه نيكولا» بافوريز اليوم هو أنها «في الطريق المسدود». يكتب: «إن فرنسا تمثّل 1 بالمائة من مجموع سكان العالم و3،7 بالمائة من الإنتاج العالمي ولكن 15 بالمائة من مجمل الكلفة المترتبة على السياسات الاجتماعية».
وتقول الأرقام التي يقدّمها أيضا أن النمو الاقتصادي في فرنسا يتناقص أكثر فأكثر منذ سنوات الستينات المنصرمة حتى اليوم. نقرأ: «كان معدّل النمو الاقتصادي في فرنسا 5،6 بالمائة في سنوات الستينات ووصل إلى 3،7 بالمائة في السبعينات ثمّ 2،2 بالمائة في الثمانينات فـ 1،9 بالمائة في التسعينات و1،5 بالمائة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وصولا إلى 0،3 بالمائة عام 2010».
وبعد أن يلاحظ المؤلف أن «الاقتصاد الفرنسي قد تراجع إلى المراتب الخلفية في أوروبا وفي منطقة اليورو» يشير أن التراجع في الاقتصاد الفرنسي يعود بالدرجة الأولى إلى تقهقر القطاع الصناعي الذي كان يشكل عصب الصادرات الفرنسية والمحرّك الأساسي لخلق فرص العمل ومكافحة البطالة التي تضرب بقوّة اليوم الملايين من الفرنسيين.
ومن المسائل التي يؤكّد عليها المؤلف فيما يتعلّق بآليات انطلاق الازدهار الاقتصادي في السياق الحالي، وعبر المقارنة بين اقتصادات العديد من البلدان من بينها الولايات المتحدة والسويد وألمانيا وكوريا الجنوبية، أن هناك تحوّلاً كبيراً في محركات النهوض.
وفي محصّلة الواقع الجديد الذي خلقته العولمة وفعلت فيه كثيرا الثورة الرقمية يشير المؤلف إلى «اهتزاز موقع» العديد من الدول الكبرى التي تتعاظم أزماتها المالية على خلفية برامجها وسياساتها الاجتماعية بينما تتناقص مواردها وثرواتها و«ترتسم في أفقها صدمة الشيخوخة»، حسب تعبير المؤلف.
وبناء على مثل هذا التشخيص المتشائم للمستقبل بالنسبة لفرنسا وغيرها من بلدان الديمقراطيات اللبرالية الغربية يقدّم نيكولا بافوريز ما يمكن اعتباره رؤيته للمخرج ولانتماء الدول المعنية إلى العالم الجديد والمتجدد.
والكتاب يرصد مؤلفه متغيرات العالم اليوم على قاعدة تسارع التاريخ وتعاظم العنف وصعود قوى جديدة في سياق تقدّم تكنولوجي هائل أنتجته الثورة الرقمية. ومواكبة ذلك بكثير من الأحداث والحركات المتطرفة وزيادة هشاشة الدول والمجتمعات. وما يترتب على ذلك من صورة مشوشة للمستقبل.
وفي مواجهة ذلك كلّه يرى أن البشرية أمام خيارين: الانهيار أو التأقلم مع ثورات تجري في مختلف الميادين. وبالتالي على الغرب الذي فقد احتكار الزعامة ان «يعيد اختراع نفسه».
