في شهر ديسمبر من العام المنصرم 2015 شهدت العاصمة الفرنسية باريس القمة الدولية الواحدة والعشرين حول المناخ. وتم التوصل فيها إلى توقيع الدول الـ195 المشاركة فيها على اتفاق دولي تاريخي حول العمل على تحقيق هدف عدم زيادة سخونة المناخ أكثر من درجة ونصف. هذا على أن يتم تطبيق الاتفاق اعتباراً من عام 2020، أي بعد نهاية مفعول اتفاق «كيوتو» السابق.
وبانتظار موعد تطبيق الإجراءات المتفق عليها يغدو من المهم والجوهري استثمار مختلف الجهود وعدم الإسراف بالوقت والشروع جديّاً بـ«متابعة المفوضات ورسم الإستراتيجيات ودراسة الآثار المترتبة» بكل ما يخص «التغيّر المناخي». هذا ما يؤكّد عليه «فرنسوا جيمين»، أستاذ الجغرافيا السياسية حول التغيّر المناخي في كلية العلوم السياسية بباريس، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «جيوسياسة المناخ».
هذا الكتاب يمثل تطويراً لكتابه السابق الذي كرّسه لشرح نتائج التغيّر المناخي. مع تركيزه في هذه النسخة الجديدة على المسائل المتعلّقة بـ «المفاوضات والإستراتيجيات والآثار»، كما يقول العنوان الفرعي. ومن خلال التركيز على موضوعين رئيسيين هما «إلحاح قضيّة المناخ» و«صيغ المفاوضات الدولية المرتبطة بالمناخ».
يشير المؤلف بداية إلى أن مسألة المناخ هي في غاية التعقيد وليست واضحة كما يتردد كثيراً. فمثلاً من الصعب تحديد المسؤولية فيما يخص مساهمة مختلف البلدان في تغيير المناخ، فهل ينبغي النظر إلى الكميات الإجمالية الصادرة من الغازات أم النظر إلى كميتها بالنسبة للفرد؟. أو ربما ربطها بإجمالي الإنتاج الداخلي؟.
ما يؤكّده المؤلف هو أنه «نظراً لكون أن الاتفاقات حول المناخ وتقليص كمية الغازات الصادرة يتمّ التفاوض حولها بين دول فإنه من الضروري الإجابة على مختلف الأسئلة ومناقشة جميع المعايير التي سيتم على أساسها تحديد مسؤولية مختلف البلدان في التغيّر المناخي».
والإشارة إلى أنه تمّ حتى الآن تبنّي مبدأ «المسؤولية العامّة ولكن بدرجات متباينة». وما يعني أنه ينبغي على الدول الغنية «الأكثر تلويثاً للبيئة قبول أعباء تقديم الجهود الأكبر تبعاً لإمكانات كل منها».
ومن المسائل الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف أن التغيّر المناخي غدا اليوم «قضيّة سياسية بامتياز». ذلك على أساس أن رهاناته الكبرى تتجاوز كثيراً المسألة البيئية وحدها لتتعلّق بمجمل التوازنات العالمية وليس أقلّها التوازن بين بلدان الشمال الغنيّة وبلدان الجنوب النامية.
من هنا بالتحديد يتم التأكيد على أهمية المفاوضات للوصول إلى تحديد مجموعة من الأسس والمعايير التي يلتزم بها الجميع. بل ويرى المؤلف أن أي اتفاق لا يمكن أن يكون فاعلا إلاّ في ظلّ الوصول إلى اتفاق شامل بين جميع الدول في الشمال والجنوب حول خطط مستقبلية تتجاوز مجرّد مسألة إصدار غاز ثاني أكسيد الكربون لتطال قضايا التنمية والتعاون والعلاقات الدولية.
فهذه الأمور كلّها لها علاقة مع «جيوسياسة المناخ» المشار لها في عنوان الكتاب. ويشرح المؤلف أن المناخ غدا أيضاً ذا بعد جيوسياسي من حيث علاقته بـ«توازن القوى والسلطات، وبأنماط التنمية كما بأنماط الانتاج والاستهلاك». بالتالي غدا بالوقت نفسه مجالاً لتداخل العلاقات الدولية:.
بهذا المعنى يتم التأكيد أن مسائل المناخ والتغيّر المناخي تعني أكثر بكثير من مجرّد ذوبان جبال الجليد وانقراض الدببة القطبية، كما يتبادر لأذهان الكثيرين للوهلة الأولى. هناك، وفيما هو أبعد من هذه التهديدات الحقيقية، مصائر الكثير من البشر، خاصة في البلدان الفقيرة، كما يحدد المؤلف القول.
ويضيف أن التغيّر المناخي حليف للفقر وليس مناهضاً له. ذلك أنه سيترافق مع الجفاف والكثير من الظواهر الطبيعية «المتطرّفة» التي ستخرّب الزراعات الصغيرة وتهدد فعلياً الأمن الغذائي العالمي. ويؤكّد مؤلف الكتاب، على أهمية إدراك جميع الدول والمجموعة الدولية مجتمعة لحقيقة المخاطر التي يشتمل عليها «التغيّر المناخي».
ويركّز على القول أن أيّة إجابة جديّة على تلك المخاطر لا يمكنها أن تكون فاعلة وحاسمة إلاّ إذا كانت «جماعية وعالمية». وهنا بالتحديد «تبدأ المصاعب والمتاعب والمشاكل»، كما يشير. ذلك بوجود تباين كبير في الرؤية للمشكلة لدى الدول المعنيّة، وخلافات «حول الجداول الزمنية» و«حول الأهداف التي ينبغي تحقيقها».
وفيما يتعلّق بالمفاوضات والإطار الدولي الذي تجري فيه والإستراتيجيات والآثار حيال مختلف المسائل المتعلّقة بالتغيّر المناخي، وما يكرّس له المؤلف الكثير من صفحات القسم الثاني من الكتاب، يرى أنه ينبغي الإجابة «المبكّرة والدقيقة» بهذا الصدد على مجموعة من الأسئلة الجوهرية. أسئلة مثل:
من هي البلدان المسؤولة أكثر عن التغيّر المناخي ومن هي البلدان التي تعاني من أسوأ آثار ذلك؟. ومن هي المجموعات البشرية التي ستجد نفسها مرغمة على الرحيل أو عليها أن تتوقع ذلك الرحيل؟. وهل هناك مخاطر للتغير المناخي على الأمن والسلام العالميين؟ وما هي خطط التأقلم مع المتغيرات المناخية؟....الخ.
إن الفصول الأخيرة من هذا الكتاب تمثّل نوعا من محاولة الإجابة على هذه الأسئلة. وفي جميع الحالات، يؤكّد المؤلف على وجود «أشكال من عدم التوازن العميق بين البلدان» فيما يتعلّق بمختلف المسائل التقنية والسياسية الخاصّة بأية مفاوضات أو إجراءات تتعلّق بالمسائل المناخية. وتتم إعادة ذلك الخلل إلى أسباب تتعلّق بعوامل «التنمية وسياسات الطاقة وبالواقع الجغرافي والديموغرافي».
والتأكيد بشكل خاص على «عدم التوازن» بين «المسؤولية» حيال التغيّر المناخي التي تقع بجزء كبير منها على الدول الصناعية الكبرى المتقدّمة التي يصدر منها أكبر كمية من الغازات الضارّة وبين «المعاناة» التي ستكون البلدان النامية أوّل من سيواجهها رغم مساهمتها المتواضعة جداً في التغير المناخي العام.
المؤلف في سطور
فرانسوا جيمين هو أستاذ «الجغرافيا السياسية للتغيّر المناخي» في قسم العلوم السياسية في العاصمة الفرنسية باريس. هو أحد الباحثين الفرنسيين المرموقين في مجال الدراسات الخاصة بالمناخ وبالتغيّر المناخي. سبق له وقدّم كتاباً بهذا الشأن تحت عنوان «جيواستراتيجية التغير المناخي».

