يعيش العالم عصر الآلة بامتياز. وهناك سباق محموم بين الدول المتقدّمة للفوز بحصّة أكبر من الأسواق العالمية. الجميع يعلّقون أنظارهم على المستقبل في محاولة استشراف ما ستكون عليه صورة العالم الذي نعيش فيه. هناك الكثير من الأسئلة حول المسار التطوري للتكنولوجا بالتوازي مع طرح مسألة كيفية تحقيق تنمية مستدامة تلبي متطلبات البشرية.
مستقبل التطوّر التكنولوجي والتحديات البيئية وما يترتب عليها بالنسبة للتنمية يناقشها دافيد س. أبراهام الذي عمل لسنوات في وول ستريت، وأحد الباحثين ذوي المصداقية على الصعيد العالمي في مجال دراسات البيئة ومستقبلها، في كتابه الذي يحمل عنوان «عناصر القوّة».
يناقش المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب كل ما يتعلّق بـالعناصرــ المعادن ــ النادرة التي يحدد عددها بنحو الخمسين مثل الأنديوم والغاليوم والتربة النادرة التي تضم مجموعة من المعادن النادرة وتنتج الصين نحو نسبة 90 بالمئة منها.. الخ. ويتعرّض لشرح دورها حيث أصبحت، حسب التوصيف المقدّم، ضرورية وأساسية للحياة الحديثة. بل ويذهب إلى حد القول إنها أصبحت مطلوبة إلى درجة أنها قد تأخذ مكان الأسلحة في أهميتها بالدبلوماسية الدولية.
ويحدد المؤلف القول إن الكثير من العناصر المعدنية الموصوفة بالنادرة لتمييزها عن المعادن الثمينة، يخضع استثمارها واستخدامها وتزويد العالم بها لاعتبارات سياسية. هكذا مثلاً كانت الولايات المتحدة الأميركية قد منعت منذ الحرب العامية الأولى تصدير عنصر «التنغستين» النادر المستخدم في تعزيز صلابة الحديد، بل اعتبرت خرق ذلك «خيانة».
كما يشرح المؤلف أنه من العسير جداً تحديد الاحتياجات المستقبلية العالمية من الثروات والموارد بما فيها المعادن والتربة النادرة. ذلك أن سياسات الدول تجعل من الصعب، بل من المستحيل ضمان حالة الاستقرار. ويشير المؤلف إلى أنه في عام 2011 كانت نسبة 21 بالمئة من التزوّد العالمي بمادة الـتنطال ــ عنصر نادر شبيه بالبلاتين موجودة في مناطق إفريقية ــ تعيش نزاعات مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية.
لكن رغم ما يثيره المؤلف من مخاطر وتهديدات تحيط بمستقبل التزوّد بالمعادن النادرة، فإنه يبدي في هذا الفصل من الكتاب الذي يحمل عنوان «كيف يمكن الازدهار في عصر المعادن النادرة تفاؤلا بالمستقبل»، على أساس أن تطورات جديدة علمية وسياسية يمكنها أن تساعد على الاستقرار.
ونظراً لإدراك تعاظم أهمية المعادن النادرة يكرّس المؤلف عدداً من الصفحات في القسم الأول من الكتاب لشرح الأسباب التي جعلت العالم يدرك أيضاً مدى تزايد الضرورة للحصول على تلك المعادن. ويصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن الطلب عليها سوف يتزايد باستمرار خلال العقود المقبلة. تدل الإحصائيات التي يعتمدها أن هناك في السياق الحالي عجزاً كبيراً في إنتاجها بالقياس إلى الطلب عليها.
ويحدد المؤلف في هذا الإطار أن العناصر النادرة المعنيّة أصبحت داخلة في تصنيع سلسلة طويلة من المنتجات تمتد من أدوات الاستخدام اليومي إلى الأسلحة ومروراً بالمحرّكات والأجهزة الطبيّة المتنوّعة، وخاصّة الأكثر حداثة منها مثل المرنان المغناطيسي، كما دخلت بقوّة في مجال تصنيع الحواسيب والهواتف الذكية.
ويقدّم توصيفاً دقيقاً لدورة إنتاجها ابتداء من استخراجها من المناجم وحتى آليات المتاجرة فيها. والبحث في مختلف عمليات معاملتها وفصلها عن الشوائب وتكريرها.
كذلك يكرّس المؤلف العديد من صفحات هذا الكتاب لتوصيف ما يسميه الدروب الخفيّة للوصول إلى تلك المعادن ــ العناصر النادرة. ويقوده بحثه إلى المناجم البعيدة في الهضاب النائية من الصين وفي خليج فنلندا، حيث المناجم المتجمدّة. وينقل في هذا الإطار شهادته عن عمل الأطفال في مناجم الكونغو.
هذا إلى جانب توصيف نمط حياة أولئك الذين يبحثون عن المعادن النادرة والقنوات التي يسلكونها قي تجارتها والتي تكتسي قدراً كبيراً من السريّة في أكثر الأحيان. ما يؤكّده المؤلف هو أن المعنيين بها من منتجين ومستهلكين يحددون قواعد اللعبة الخاصة بها حسب إرادتهم في ظل غياب أي قواعد للضبط، مثل تلك التي فرضتها البورصات والدول بالنسبة للبترول والذهب..
وإذا كان المؤلف يولي الكثير من الاهتمام لما يمكن للمعادن وللتربة النادرة أن تسهم به في مجال تحسين العديد من منتجات التكنولوجيات المتقدّمة، فإنه يطرح بالمقابل العديد من الأسئلة حول مسار تطوّر هذه التكنولوجيات وحول آليات مساهمتها المحتملة في الوصول إلى تنمية مستدامة ومتوازنة.
ونتبين أنه بيشدد المؤلف على أن العناصر النادرة غدت في السياق الحالي من التقدم التكنولوجي، تقوم بوظائف معينة من حيث ما تمتلكه من سمات إشعاعية وغيرها، يمكنها أن تؤدي إلى تحسين كبير بالقياس إلى المعادن المتداولة بصورة عامّة. من هنا بالتحديد دخلت المعادن ــ العناصر ــ النادرة المعنية بقوّة وفاعلية في صميم الكثير من صناعات العصر الحديث، خاصّة منذ الثورة الرقمية وتكنولوجياتها.

