يعرف المشهد السياسي الفرنسي في السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة تتمثّل في الصعود الكبير الذي يحققه حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرّف في فرنسا.
ذلك ما تدلّ عليه بوضوح نتائج مختلف العمليات الانتخابية بمختلف مستوياتها، حيث دلّت نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة قبل أشهر قليلة على أن هذا الحزب اليميني المتطرّف الذي تترأسه مارين لوبن، ابنة مؤسس الحزب جان ماري لوبن، قد غدا انتخابياً الحزب الأول في معسكر اليمين الفرنسي.
النتائج الانتخابية العالية التي حققها حزب الجبهة الوطنية الفرنسية ومؤشراتها ودلالاتها السياسية هي موضوع كتاب «هيرفي لو برا»، الاختصاصي الفرنسي المعروف بالمسائل الديموغرافية والمؤرّخ والباحث في مجال الرياضيات ومؤلف عشرات الكتب، الذي يحمل عنوان «المراهنة على الجبهة الوطنية».
الملاحظة الأولى التي يشير المؤلف إلى أهميتها تتمثّل في تأكيده أنه ينبغي قبل كل شيء، من أجل فهم ظاهرة صعود اليمين المتطرف في مختلف العمليات الانتخابية، «التطلّع إلى جغرافية توزيع الأصوات في عمليات الاقتراع المعنيّة» لمعرفة من هم أولئك الذين يقترعون لحزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف.. ذلك قبل التطلّع إلى الخطاب العنصري الذي يتبنّاه ويكرره ويروّج له..
ويخلص من قراءته لخارطة «جغرافية الاقتراع» إلى انه من الواضح بشكل مباشر وواضح أن المناطق التي عرفت زيادة كبيرة في عدد الذين اقترعوا لصالح الجبهة الوطنية هي تلك المناطق التي واجهت نسبة عالية من قاطنيها مشاعر التهميش الاجتماعي.
ذلك على خلفية «تقهقر العلاقات بين الجيران» و«الإحساس بالاستبعاد من إمكانية العيش في المراكز المدينية الكبيرة» و«انسداد الطريق أمام الصعود الاجتماعي».
في مثل ذلك السياق بدا اليمين المتطرّف، ممثلاً بحزب الجبهة الوطنية، بمثابة الخيار الوحيد من أجل تغيير تلك المعطيات بنظر الكثيرين، كما يشرح المؤلف. بهذا المعنى يرى أن «المراهنة على الجبهة الوطنية» انبثقت من رحم اليأس. ويرجّح في تحليلاته أنها «مراهنة خاسرة» مستقبلياً، ولكنها تبقى «مراهنة منطقية» في السياق الحالي، هذا بالإضافة أنها «تنتقل بالعدوى».
ويحدد أن صعوده يتم بالتوازي مع بروز أنماط جديدة من العيش في فرنسا لا تساعد على استمرار علاقات التضامن الاجتماعي. ويعيد المؤلف بروز تلك الأنماط إلى انتشار المجمّعات التجارية الكبرى التي يلتقي فيها مرتادوها كالغرباء، وإلى ظاهرة ترك نسبة مهمة للمدن الكبرى والعودة إلى الأرياف أو للبلدات الصغيرة، ويعيد ذلك خاصة إلى «انسداد الأفق» أمام شرائح متعاظمة.
تلك الأسباب كلّها دفعت إلى اقتراع نسب متزايدة من الناخبين للجبهة الوطنية.
والأمر لا يتعلق إذن بظرف احتجاج عابر، لكن بالأحرى بحالة لها طابع «بنيوي» في السياق الحالي الفرنسي. من هنا يربط المؤلف بين المناطق التي تعاني من الهشاشة وحيث تتواجد أعداد كبيرة من العاطلين عن العمل، خاصّة في أوساط الشباب، وحيث الدخل هو الأكثر تدنياً مع تفاوت كبير في الدخل بين شرائح قاطني المناطق الهشّة وقاطني المدن الكبرى، وبين الاقتراع لصالح اليمين المتطرّف.
وعلى ضوء المقارنات التي يجريها مؤلف هذا الكتاب بين نتائج الانتخابات المختلفة في جميع المناطق الفرنسية يصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن «التشابه صاعق بين خارطة المناطق التي تعاني من الهشاشة وبين خارطة المناطق التي حققت فيها الجبهة الوطنية نسبة عالية من أصوات الناخبين».
ويضيف في نفس النهج من التحليل: «في المناطق التي يتعاظم فيها خطر الهشاشة يتعاظم أيضاً احتمال أن يجد المرء في محيطه القريب شخصاً يعاني منها أيضاً ــ أي الهشاشة. هذا الاحتمال يولّد الخوف لدى المعنيين من معاناة مثل تلك الحالة».
ومن خلال عمليّة تقصّي دقيقة للكثير من الحالات والوقائع يصل المؤلف إلى القول: «إن الاقتراع لصالح الجبهة الوطنية يصدر بشكل خاص من قبل أولئك الذين يخشون الوقوع في براثن الهشاشة بشكل أو بآخر».
بالنسبة للهجرة وللمهاجرين، خاصّة من بلدان شمال أفريقيا العربية ــ الإسلامية، يشرح هيرفي لو برا أن تلويح الجبهة الوطنية بالتهديد الذي يشكّله المهاجرون على الهوية الوطنية الفرنسية وعلى سوق العمل وبجعل ذلك في صميم برامجها كان له أثر واضح في سنوات الثمانينيات كما تشير انتخابات عام 1984.
لكن مثل ذلك التوجّه تضاءل فعله بعد ذلك إلى حدّ زوال تأثيره تماماً تقريباً. وفي العموم، فإن الكتاب يقدّم قراءة للمشهد الانتخابي الفرنسي بعيداً عن الأحكام السائدة ــ الكليشيهات ــ ويساعد على فهم أفضل لآليات خيارات الناخبين الفرنسيين وللتوجه المستقبلي السياسي الفرنسي.
