من التوصيفات الأكثر شيوعاً عن الثقافة الغربية أنها ذات طبيعة عقلانية. وليست قليلة الآراء التي تعيد للعقل الغربي العقلاني العلمي أصول الثورة الصناعية الكبرى التي عرفت بوادرها في أوروبا منذ القرن السابع عشر قبل أن تنتشر وتعمّ العالم في القرن الثامن عشر الذي يطلقون عليه في أوروبا توصيف «عصر التنوير».
وإذا كانت هناك سلسلة طويلة من الكتب التي جعلت من العلم والعقلانية أسساً هامّة في الثقافة الغربية الحديثة فإن بريان كوبنهافر، أستاذ الفلسفة والتاريخ في جامعة كاليفورنيا الأميركية في لوس انجليس بالولايات المتحدة الأميركية، يكرّس كتابه الأخير للتعرّض لدراسة «السحر في الثقافة الغربية»، كما جاء في عنوانه.
يشرح المؤلف في مقدمة الكتاب أن عالم السحر عرفته مختلف ثقافات العالم، حيث عنى في أغلب الأحيان وجود قوانين «خفيّة» تتجاوز كل أشكال التفكير العلمي.
ويحدد القول أن بداياته تعود إلى حقب قديمة جدا، خاصّة في العالمين اليوناني والروماني القديمين. والإشارة أيضاً منذ البداية أن التقدّم الذي حققته المعارف العلمية فيما يتعلّق بتفسير الكثير من الحوادث الطبيعية المحيطة مثل آليات حدوث الصواعق والتفاعلات الكيميائية ضاءل كثيراً من مصداقية السحر والسحرة..
ما يؤكّده بريان كوبنهافر هو أن عالم السحر عرف أوج ازدهاره في العصور الوسطى الأوروبية، التي يطلقون عليها توصيف الحقبة الظلامية في الحضارة الأوروبية الغربية. أمّا في العصور الحديثة فيعتبر المؤلف أنه كان للسحر في الثقافة الغربية علاقة وثيقة وعضوية مع الفلسفة.
ويتحدث المؤلف في هذا السياق عن أن الفلسفة الغربية القديمة مهّدت الطريق أمام اللجوء إلى السحر، ويذكر في هذا السياق اسم العديد من كبار الفلاسفة الغربيين الذين انتشرت أفكارهم في مختلف الثقافات والحضارات عبر الترجمة. تجدر الإشارة أن مؤلّف هذا الكتاب يؤرّخ في العديد من صفحات هذا الكتاب للفلسفة الأوروبية من خلال علاقتها مع السحر.
ويشرح كوبنهافر أنه تمّ الحديث أحيانا عن توصيف السحر باعتباره أحد الفنون، «فن السحر»، بينما ذهب البعض إلى الحديث عن «علم السحر». هذه التوصيفات كلّها وجدت ما يدلّ عليها في الثقافة الغربية خلال العصور الوسطى وعصر النهضة، كما يشرح مؤلف الكتاب. ويشير أن توصيف السحر بالعلم قام على الزعم بمعرفة بعض القوانين التي تسمح بالسيطرة على العالم الخارجي بقوّة سحريّة خفيّة.
والفترة التي يدرسها المؤلف بشكل أساسي هي تلك التي تخص الثقافة الغربية، الأوروبية، في نهاية حقبة القرون الوسطى لتمتد إلى عصر النهضة في القرن السادس عشر ووصولاً إلى الحقبة الحديثة، وبالتحديد إلى القرن الثامن عشر، قرن التنوير الأوروبي.
ولا شكّ أن من أهم الأفكار والتحليلات التي يعرضها المؤلف في هذا الكتاب هناك ما يحاول البرهان على أن المسيرة العلمية الإنسانية وجدت الكثير من دوافع تقدّمها في زوايا التفكير السحري. ذلك من منطلق محاولة الرد على ذلك التفكير وتبيين زيفه. وبهذا المعنى لا يرى المؤلف أن «التنجيم الفلكي» بعيد في واقع الأمر عن «علم الفلك» الحديث.
والتأكيد في هذا السياق أن العلوم الحديثة التي وجدت ترجمتها في الحضارة الحديثة عبر الثورة الصناعية الكبرى هي بمثابة إحدى الثمرات ــ المنعطفات الجوهرية لمسيرة تجد بعض جذورها في أسئلة ساهم التفكير السحري في طرحها على العقل الإنساني وحثّه على الذهاب أبعد في مغامرة المعرفة للكشف عن أسرارها.
وبتحديد أكثر يرى المؤلف أن تأكيد ذلك التفكير السحري بوجود قوى كامنة في الطبيعة كان بمثابة باعث لمحاولة الكشف عنها انطلاقا من محاولة فهمها من قبل العاملين في الحقل العلمي.
وعلى أساس ذلك شاعت في عصر النهضة فكرة «السحر الطبيعي»، بمعنى القائم على أسرار الطبيعة وقواها المخبوءة. مثل ذلك المفهوم تشارك في القول فيه، كما يحدد المؤلف القول، أصحاب التفكير السحري مع العلماء الأوائل.
وبهذا المعنى أيضا يرى المؤلف أنه كان هناك «تداخلا حقيقيا وكبيرا» بين التفكير السحري والتفكير العلمي في أوروبا «اعتبارا من عصر النهضة» الذي برزت ملامحه الأولى، والخروج من العصور الوسطى، اعتبارا من القرن الخامس لكون أن كلاً من التفكيرين كان بمثابة «الفرضية المعاكسة» للآخر.
ومن نقاط التداخل بين «التفكير السحري» و«التفكير العلمي» في العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة في أوروبا يحدد المؤلف «إعطاء الأولوية للجوء إلى التجريب»، وليس الاكتفاء بالنصوص المجرّدة. هكذا عمد المهتمون في المشربين إلى المزج في تجاربهم بين الآراء التي كانت تنتمي تقليديا إلى عالم السحر وبين المعطيات العلمية المستجدّة.
المثال البليغ الذي يتم تقديمه على ذلك تجسّده «الغرفة السوداء،المظلمة» التي كانت تُعتبر نوعا من السحر في البداية فتحوّلت فيما بعد، مثل أشياء عديدة غيرها، إلى معطيات علمية على يد علماء كبار من أمثال غاليلي غليليو وجوهان كيبلر.
لكن مع الإشارة أن مؤلف هذا الكتاب بريان كوبنهافر، إلى جانب تأكيده على التشارك بين السحر والعلم في بعض المبادئ العامة، فإنه لا يصل أبدا إلى اعتبار أن السحر كان في العصور الوسطى الأوروبية وما بعدها هو بمثابة «الاسم الآخر للعلم». والتأكيد بأشكال مختلفة وبكثير من الحزم على أن «الدقّة» هي لغة العلم وليست لغة السحر.
وهذا ما يقدّم البراهين عليه من خلال مقتطفات من مختلف الأدبيات والدراسات العلمية منذ القديم حتى القرن الثامن عشر.. أي بتعبير آخر، عبر الخوض في تاريخ يعود لآلاف السنين التي عرف البشر فيها شكلا ما من أشكال السحر.
ويذهب مؤلف هذا الكتاب في المحصّلة إلى القول ان الرؤية الغربية الحديثة للعالم تجد جذورها «جزئيا» في المبدأ الذي يطلقون عليه «الكيمياء السحرية» في اليونان القديمة، والذي وجدت آثاره في القرون الوسطى وما بعدها لدى بعض المؤلفين والباحثين الغربيين في مسائل الغيبيات وأسرار الطبيعة.

