القتل الجماعي ظاهرة مثيرة مارسها ويمارسها أفراد امتلكوا سلطة القرار على مختلف المستويات بحق مجموعات بشرية كاملة، حيث برزت أسماء عديدة اشتهرت باللجوء إلى ممارسة القتل الجماعي. وليس هتلر والجلادون في معسكرات الاعتقال النازية، الذين يتكرر الحديث عنها في الغرب، هم الأمثلة الوحيدة بل هناك سلسلة طويلة عرفها التاريخ، القديم والحديث منه، وهناك ما يدلّ على ذلك في الفترة الراهنة.
الذهنية الكامنة وراء اللجوء إلى ممارسة القتل الجماعي هي موضوع كتاب «ابرام دو سوان»، أستاذ علم الاجتماع في جامعة أمستردام وفي جامعة كولومبيا الأميركية. وهو يبحث فيه الأسباب الكامنة البعيدة خلف نزوع بعض الأفراد لممارسة القتل الجماعي. يحمل الكتاب عنوان: «مقطورات القتل» ويحلل فيه مؤلفه «ذهنية القتل الجماعي»، كما جاء في عنوانه الفرعي.
في هذا الكتاب يحاول «ابرام دو سوان» الإجابة عن عدد من الأسئلة مثل: هل ممارسو القتل الجماعي أفراد عاديّون؟ ويعمم السؤال أكثر عبر الانتقال من الأفراد إلى الأنظمة ليسأل:
لماذا تلجأ بعض الأنظمة إلى الاغتيال الجماعي؟ وكيف تجد باستمرار متطوعين للقيام بذلك؟ وأسئلة أخرى تتفرّع من هذه الأسئلة مثل: هل هناك درجات في تصنيف القتلة بين «مترددين» و«غير مبالين» و«جامحين» حيال ممارسة القتل الجماعي؟
ولا يتردد المؤلف في التأكيد بداية خطأ وزيف المقولة الشائعة ان الذين ينضوون تحت خانة هذا الصنف من ممارسي القتل الجماعي هم «مرضى نفسانيون» أو «وحوش»، بكل ما تحتوي عليه هذه الكلمة من دلالات. وهو يقوم عموما بالمقابل بنوع من «الربط» بين «الأوضاع المحيطة» وبين «السلوك الإنساني». ويناقش على مدى صفحات الكتاب العلاقة المعقّدة بين «الظروف» و«الشخصية» ومساهمة كل منهما في الدفع نحو القتل الجماعي، ودون أن أي منهما الأخرى.
ويشير اعتماداً على العديد من الشهادات التي يسوقها، عن أولئك الذين شهدوا أو عايشوا أو نجوا من مجازر جماعية، أن أولئك الذين يقومون بها هم «أشخاص عاديون». ولكن أُجريت لهم عملية «غسل أدمغة» خلقت لديهم «قناعة» بسلامة سلوكهم. بالتالي يرون أن «ضحاياهم يستحقون المصير الذي عرفوه».
ومن السمات المشتركة التي يؤكّد عليها المؤلف في شخصيّة «الجلاّدين المعنيين» أنهم يريدون هم أنفسهم أن «يخفوا» حقيقة أعمال القتل الجماعي التي يقومون بها من حيث تأكيدهم أنهم «مجرّد منفّذين». ويشير أن مجملهم تقريبا ينفون أيّة مسؤولية عن «الفظاعات» التي قاموا بها. بل عندما ينظرون إلى الوراء وللجرائم التي ارتكبوها يميلون إلى القول: «ليس أنا الفاعل. أنا شخص مختلف»، كما يوجز المؤلف مواقفهم.
ما يؤكّد عليه المؤلف أيضاً هو الدور الكبير الذي يلعبه سياق الطفولة التي يوليها أهميّة تأسيسية في تغذية «ذهنية القتل الجماعي» أو الابتعاد عنها. هذا إلى جانب ما يمكن أن يتكدس من قسوة فردية في أنماط السلوك الإنساني في سياق «قسوة جماعية معممة».
ومن النقاط الأساسية التي يؤكّد عليها المؤلف بالنسبة لمرتكبي القتل الجماعي أنه لا يكفي النظر لهم في «عزلتهم»، بل ينبغي وضعهم «في سياق اجتماعي أوسع وأشمل». مع الأخذ بالاعتبار «الثقافة السائدة» و«مؤسساتها» ودورها في تحديد المجموعات التي يمكن أن تشكّل هدفا للعنف الجماعي حيالها في أذهان المعنيين فيها بسياق محدد.
والمؤلف لا ينفي بالمقابل تماماً وجود تأثير حقيقي للظرف في نمط السلوك. الأمثلة التي يسوقها على ذلك عديدة وهي تندرج في إطار الفرق الكبير بين ما يمكن أن يمارسه الأفراد من خروج عن المألوف، سلوكا وصراخا، عندما يكونون مثلاً على مدرّجات ملعب كرة قدم وبين ممارساتهم المنضبطة في الأوقات العادّية.
لكن ابرام دو سوان يؤكد بالمقابل في تحليلاته أن سلوك البشر يختلف تبعا للمكوّنات النفسية لدى الأفراد المعنيين، كما يبدو من عدم تماثل سلوك البشر حيال نفس الأوضاع. الدليل الذي يقدّمه استقاه من أحداث شهيرة رفض فيها البعض في لحظة ما الاستمرار في ممارسة القتل.
ويبتعد المؤلف في مجمل تحليلاته عن رسم صورة نمطية دائمة للقتلة الجماعيين. ذلك أنه حتى القتلة الجماعيون هم أشخاص على الأغلب مختلفون فيما بينهم إلى هذه الدرجة أو تلك. وهكذا يشرح الأسباب التي تجعل فردا ما مجرم حرب، بينما لا تؤدي نفس الأسباب بشخص آخر إلى نفس المصير.
وهو يشرح أن الأمر لا يتعلّق بمجرّد الظروف ولكن أيضا، وأساسا، بالشخصيّة. ومن السمات الأساسية لمثل هذه الشخصية أن يكون لصاحبها ماض مطبوع بالعنف. ويضيف أن مرتكبي المجازر الجماعية يكونون في أغلب الأحيان ميّالين لإطاعة رؤسائهم دون أي نقاش.

