بدأت تتعالى في الغرب الأصوات التي تنذر أن أزمة اقتصادية ومالية عالمية هي بطور التشكّل. ذلك على أساس أن العديد من الأعراض التي سبقت نشوب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية تتكرر اليوم. هذا مع تأكيد العديد من الباحثين والخبراء الاقتصاديين أن الأزمة »المقبلة« سوف تكون أكثر سوءا وأكثر تخريبا من الأزمة السابقة.

ومن بين تلك الأصوات المنذرة ذلك الذي يطلقه »باتريك ارتو«، أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون و»ماري بول فيرار« الصحفية الاقتصادية والتي ساهمت في تحرير العديد من الكتب، في كتابهما المشترك الجديد الذي يحمل عنوان »تبذير البنوك المركزية الكبرى. لماذا ستكون الأزمة المقبلة أسوأ«.

ويبدأ المؤلفان بطرح السؤال التالي: وماذا لو أن العملة ذات أهمية أكبر من أن يتم تركها بيد البنوك المركزية؟. والإشارة في معرض الإجابة أن أولئك الذين يترأسون ويديرون البنوك المركزية الكبرى اصبحوا يتمتعون بقوّة خيالية. ذلك أن هذه البنوك هي التي »تنتج« العملة التي يستخدمها البشر.

وبعد أن يشرح المؤلفان أوّلا الأخطار والتناقضات والجنوح الذي يمكن أن يترتب على الإفراط في طبع الأوراق المالية من فوضى قد تؤدّي إلى الانفجار إذا »استمر اللعب مع العملة«، يؤكّدان المخاطر الأساسية المترتبة على ذلك، خاصّة على صعيد »الاستقرار المالي« و »الاقتصاد الحقيقي«.

ويشير المؤلفان إلى أن البنوك المركزية الغربية الكبرى »مُنحت ثقة عمياء«. ويضيفان إن الأسوأ من ذلك هو أن »العملة هجرت الاقتصاد الحقيقي الواقعي بسبب قلّة مردوده وتوجهت نحو ما يؤمّن المردود الجيّد على المدى القصير«. نقرأ:»إن الاقتصاد السيئ يطرد الجيّد، أي الذي يستثمر ويناضل من أجل زيادة الإنتاج وخلق فرص العمل ويبقى قادراً على صعيد المنافسة التجارية الدولية«.

والتأكيد أن ذلك »يخلق حالة من عدم الاستقرار« فتلك الكميّة الهائلة من العملة يتم استخدامها في الأسواق بصورة متقلّبة جدا و»غير منضبطة بقواعد صارمة«. ومن هنا بالتحديد تتعاظم الخشية من حدوث »فقاعات« قد يؤدي انفجارها إلى حدوث »انهيارات في البورصات«.

إن مؤلفي هذا الكتاب يركزان في تحليلاتهما على إبراز العديد من مؤشرات التهديد بإمكانية حدوث أزمة مالية عالمية أكثر »تخريبا« من الأزمة السابقة. هكذا يشيران إلى وجود »أزمة صينية« يعيدان السبب الرئيسي فيها إلى تبنّي »سياسة المال السهل« التي»غذّت المضاربات« في بورصة شنغهاي.

ويتم التشكيك في هذا السياق بالإحصائيات الرسمية الصينية حيث لا يتردد المؤلفان في عدم إصباغ المصداقية على واقع أن النمو الاقتصادي الصيني بلغ 6،9 بالمائة عام 2005 و6،7 بالمائة عام 2006. وتشير التحليلات المقدّمة إنه »إذا افترضنا وجود علاقة ثابتة بين نمو إجمالي الإنتاج الداخلي وبين الواردات وإنتاج الكهرباء يتم الوصول إلى تقدير النمو الاقتصادي بــ 3 بالمائة سنويا«.

والإشارة في هذا السياق إلى الوضع »الصعب« التي تواجهه الشركات المكسيكية والروسية التي كدّست الديون المترتبة عليها بالدولار الأميركي الذي يعني ارتفاع قيمته في الأسواق المالية زيادة الفوائد المترتبة على ديونها.

هذا ويزداد الأمر صعوبة بالتزامن مع الانخفاض الكبير لأسعار البترول وحيث إن روسيا هي من أكثر بلدان العالم تأثّرا بمثل هذا الانخفاض فالنفط يشكّل 70 بالمائة من الصادرات الروسية وهو مصدر تمويل نصف الميزانية الروسية.

وما يتم التأكيد عليه في سياق المقارنة بين سياق انفجار أزمة 2008 وسبل معالجتها وبين السياق الحالي هو أن البنوك المركزية لعبت في تلك الأزمة دور »العلاج« الذي كبح حدوث »كساد كبير«. ذلك عبر ضخّ سيولة مالية كبيرة واللجوء إلى إقراض مبالغ كبيرة بفوائد زهيدة جدا وشبه معدومة. بل وعدم الاكتفاء بذلك حيث »اشترت« البنوك المركزية الديون العامّة والخاصّة من البنوك التي تواجه صعوبات.

ولا يتردد المؤلفان في »تأييد« التدخل الكبير الذي قامت به البنوك المركزية منذ عام 2009 »من أجل تجنّب كارثة أكثر خطورة من أزمة 1929«. لكنهما يريان أن مثل ذلك التدخل »لم يعد مبرراً« بعد عام 2010. ويحددان مكمن خطورته في كون أنه في سياق »تعاظم الديون على المستوى العالمي« تمّت زيادة »جرعات السيولة المالية النقدية ــ نقداً« مما دفع نحو »عالم تمّ الخلط فيه بين صنع المال وصنع الثروة«، كما يكتبان.

ويشرح المؤلفان في المحصّلة أن استمرار البنوك المركزية الكبرى في تطبيق »الإجراءات الفعّالة« في البداية حيال الأزمة السابقة نتج عنه، أي الاستمرار في تشكّل »فقاعات تعاظمت مع مرور السنوات«. وهذا ما قد يشكّل تهديدا بأزمة أكثر خطورة مما سبق نظرا لكون أن »الكتلة النقدية« هذه المرّة هي أكبر بكثير.

والتأكيد في النهاية أن »الأزمات المالية سيتسارع إيقاعها وبعنف أكبر«. ذلك بسبب »الوفرة الجنونية للسيولات النقدية التي بلغت مستوى لم تعرفه من قبل«.

وتتمثّل الفكرة الرئيسية التي تدور حولها تحليلات هذا الكتاب في التأكيد أنه تسود منذ سنوات حالة من »عدم الاتساق والانسجام في السياسات التي انتهجتها البنوك المركزية« الغربية الرأسمالية الكبرى. وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي والبنك الفدرالي الأميركي وبنك إنجلترا.

المؤلفان في سطور

باتريك أرتو، أستاذ الاقتصاد في جامعة السوربون. ويعمل خبيراً لدى مجموعة »ناتيكسيس« للاستثمار. وماري ــ جان فيرار صحفية اقتصادية معروفة. صدر للمؤلفان معا عدّة كتب منها:»الرأسمالية هي بصدد التدمير الذاتي« و»فرنسا بدون مصانعها« و»كيف يمكن تجنّب الفوضى؟«.