من الأفكار التي تتعلّق بمكانة اللغات في العالم تلك الفكرة الشائعة القائلة إنه كان هناك على مدى التاريخ الإنساني لغة تتميّز عن غيرها من اللغات التي عاصرتها في كل حقبة.
هكذا يتردد في الغرب القول إن اللغة اللاتينية ــ في أعقاب اليونانية القديمة ــ سادت وتميّزت في هذا الغرب حتى القرن الثامن عشر. ثمّ احتلّت اللغة الفرنسية بعد ذلك تلك المكانة المتفرّدة حتى القرن العشرين لتأخذ اللغة الإنجليزية موقع الصدارة وتحتّل بامتياز حتى اليوم مكانة »اللغة العالمية«.
وتدلّ المؤشرات الحالية على زيادة كبيرة في عدد الكتب المترجمة إلى الفرنسية، خاصّة من اللغة الإنجليزية. وهذا ما يرى فيه البعض مؤشراً على »الغزو الثقافي«، أو في أقلّ تقدير على »الإنهاك« الذي يعاني منه النتاج الفكري والأدبي الفرنسي. لكن آخرين يرون، على العكس، أن ذلك يشير إلى »الانفتاح أكثر على العالم«. وما بين هؤلاء وأولئك تبقى »الترجمة« هي إحدى الرهانات الأساسية.
وتحت عنوان »اللغة العالمية. الترجمة والسيطرة« تدرس »باسكال كازانوفا«، أستاذة الأدب في جامعة »ديوك« ومؤلفة العديد من الكتب حول اللغات والأدب، آليات السيطرة اللغوية التي تمنح لهذه اللغة أو تلك تميّزها.
ذلك إلى جانب دراسة دور الترجمة من اللغات »المسيطرة« وإليها. وبالتحديد من حيث تعزيز »سمات السيطرة«.. تجدر الإشارة أن العالم الغربي عموماً وحضاراته هي المجال الرئيسي الذي تطبّق عليه المؤلفة تحليلاتها.
الملاحظة الأساسية الأولى التي تنطلق منها »باسكال كازانوفا« في تحليلاتها تتمثل في القول إن »السيطرة اللغوية عالمياً« لا تخضع بالضرورة لموازين القوّة الاقتصادية أو العسكرية، على غرار ما يقال ويتردد اليوم بالنسبة لسيطرة اللغة الإنجليزية وارتباط ذلك بالموقع المتميز للولايات المتحدة في العالم.
المثال الذي تبرر فيه مثل هذا الرأي تجده في »الثنائية اللغوية اليونانية ــ اللاتينية« في أوروبا قديماً. والإشارة أنه كان يتم »تناوب التعبير باللغتين« من قبل المتحدّث نفسه. ذلك إلى جانب أن اللغتين كانتا تشغلان »وظائف متكاملة للتعبير«. وتشير المؤلفة في السياق نفسه أن عمليات ترجمات الأعمال والكتب تمثّل أيضاً بحدّ ذاتها مؤشراً مهماً على »التراتبية الاجتماعية للغات فيما بينها«.
ومن الأفكار الرئيسية التي تؤكّد عليها مؤلفة الكتاب أن سيطرة أية لغة ليست بمثابة »قدر نهائي« على سيطرة الأمة المعنية بها.
ذلك أن »مظهر التفوّق« الذي تتمتع فيه لا يمكن أن تتم ترجمته بالضرورة بـ تفوق اقتصادي أو »عسكري«. المثال البليغ على ذلك تجده المؤلفة في أنه خلال »تفوّق اللغة اليونانية« على »اللغة اللاتينية« خلال حقبة التفوّق العسكري والاقتصادي لروما القديمة. كما تجده في واقع »تفوّق اللغة الفرنسية« بمواجهة »اللغة الإنجليزية« في القرن الثامن عشر.
وتركّز المؤلفة على اعتبار أن اللغة هي أحد منتجات »العبقرية الإنسانية« وأحد أكثر المؤشرات دلالة على »تنوّع المجموعات الثقافية«، كما على »تنوّع الأوضاع التاريخية«. وفي مثل هذا السياق تشرح أن عملية الترجمة من لغة إلى أخرى وما يتضمّن عليه ذلك من »تواصل« بين اللغات والثقافات بدت منذ القديم بمثابة ضرورة حيوية ملحّة بحيث إنها وجدت مكانها في صميم العديد من البرامج التدريسية.
وتشرح المؤلفة أن »لغة الترجمة« هي أيضاً بالتعريف »اللغة العالمية«، وبالتالي تفرض »سيطرة لغوية«. إنها تصدّر من خلال الترجمة، ليس مجرّد لغة، ولكن أيضاً تصدّر »أفكاراً« و»مشارب فكرية معيّنة«، وبالإجمال تصدّر »حضارة«. وتصل المؤلفة إلى حد القول إن الترجمة ليست بعيدة عن أن تبدو بمثابة »أداة غزو ثقافي خارجي«.
وفي دراسة المؤلفة على مدى الكثير من صفحات الكتاب لـ»التاريخ الوطني اللغوي الفرنسي« في إطار العلاقة بين اللغتين اللاتينية والفرنسية تبحث في الطريقة التي برزت فيها اللغة الفرنسية من خلال »المواجهة« مع اللهجات التي كانت تتعايش أو تتنافس في المجال الجغرافي أو الاجتماعي نفسه.
ثمّ تلت في ذلك السياق »المواجهة« مع اللغة اللاتينية »المنافسة«. هذا إلى جانب بروز برامج »ترجمة النصوص القديمة« إلى اللغة الفرنسية. وتركّز المؤلفة على القول إن الترجمة مثّلت تاريخياً نوعاً من محاولة »امتلاك لغة وثقافة« عبر نقلها إلى »لغة وثقافة أخرى«.
وبهذا المعنى تمثّل وسيلة لـ »النجاة« من هيمنة وقوّة »اللغة المسيطرة«. وأن اللغات اليوم تتنازع السيطرة على السوق ولكن بـ »أدوات تتباين من حيث فاعليتها«. والتأكيد في هذا السياق أيضاً أن بعض اللغات تفرض »قوانينها« و»سيطرتها« في أسواق التبادل التجاري ومن لا يجيد هذه اللغات لا يغدو صوته مسموعاً.
" الجمهورية العالمية للآداب"
تعود المؤلفة في أبحاث كتابها، إلى كتاب سابق لها كان قد صدر منذ سنوات تحت عنوان »الجمهورية العالمية للآداب« وعرف الترجمة إلى 12 لغة عالمية، تعرّضت فيه لدراسة تاريخ وبنية العالم الأدبي. وبيّنت كيف أن عالم الأدب كان يقوم على بنى غير متكافئة تبعاً لعلاقات المنافسة والسيطرة.
وفي هذا الكتاب الجديد تحاول أن تشرح وتحلل »آليات السيطرة اللغوية« بالتحديد. وذلك من خلال الإجابة عن سؤالين جوهريين في هذا المجال. السؤال الأوّل هو: لماذا تصبح لغة ما في سياق ما ذات مكانة أكبر بالمقارنة مع اللغات الأخرى؟ والسؤال الثاني: ما هي الآليات التي تؤدّي إلى اعتماد نوع من التصنيف التراتبي بين اللغات؟
المؤلفة في سطور
باسكال كازانوفا. باحثة وناقدة أدبية. أستاذة الأدب في جامعة ديوك. تساهم في العديد من المجلات والبرامج التلفزيونية الأدبية.
من مؤلفاتها »الجمهورية العالمية للآداب« و»صموئيل بيكيت: التجريدي« و»كافكا الغاضب«... الخ.
