عرفت العلاقات الدولية الكثير من التحولات بعد انهيار جدار برلين في مطلع شهر نوفمبر من عام 1989 ثم انهيار المعسكر الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق عام 1991. وتواكبت تلك التحولات مع تغيّر كبير على صعيد التحالفات والمحاور بين الدول، الأمر الذي يدل عليه التقارب الكبير بين الصين «الصاعدة» وباكستان «القوّة الآسيوية النووية».

و«المحور الصيني الباكستاني» هو عنوان كتاب أندرو سمول، الذي عمل محللاً لعدّة سنوات في «صندوق مارشال الألماني» في الولايات المتحدة، والذي يبحث فيه ما يسميّه «جيوسياسية ــ جيوبوليتيكية ــ جديدة في آسيا»، كما يقول عنوانه الفرعي.

وفي هذا الكتاب يلقي أندرو سمول الضوء على إحدى العلاقات الدولية غير المعروفة كثيرا من قبل الرأي العام العالمي، وليس هناك «معاهدات» أو «اتفاقيات» أو «مواثيق» موقعة من قبل الطرفين. ولكن ذلك «المحور غير المعلن رسميا يكتسي أهمية استثنائية على صعيد العلاقات الدولية» ويتأسس على «علاقات وثيقة جدا يعود عمرها إلى عدّة عقود وتطال العلاقات العسكرية والاقتصادية وحتى العلمية واللوجستية».

وهي أيضا علاقات ذات أهمية بالغة أيضا بالنسبة لمستقبل الحرب والسلام في القارّة الآسيوية، وبالتالي للسلام في العالم أجمع. إن المؤلف يلخّص العلاقات الصينية الباكستانية بالقول إنهما منذ عقود «أصدقاء في كلّ الأزمنة». ولا يتردد في القول إن «الصين تشكلّ أملا اقتصاديا وعسكريا لباكستان».

ولكن ماذا تنتظر الصين من باكستان؟ عن هذا السؤال يقدّم مؤلف الكتاب الإجابة على صعيدين أساسيين. الأول هو خلق حلف يثير قلق العملاق الآسيوي الآخر في آسيا، أي الهند التي ترى فيها «منافسا حقيقيا» لمشاريعها في آسيا وأبعد منها في العالم.

ويرى أندرو سمول أن «التقارب الصيني ــ الباكستاني يقوم بالقسم الأكبر منه على»تقييمهما لسياسة عدوّهما المشترك المتمثّل في الهند«. ويشرح أن أحد مصادر أهمية باكستان للصين يكمن في أن»تجد الهند نفسها مرغمة على النظر من فوق كتفها إلى جارها الغربي، وبالتالي تغدو أكثر سهولة لقيادتها من قبل بكّين«.

والصعيد الثاني الذي يمكن لباكستان أن تكون فيه مفيدة بالنسبة للصين هو أن تلعب هذه الأخيرة دورا فاعلا في مواجهة المتطرفين الذين لم يكونوا بعيدين عن الاضطرابات التي تعرفها بين الحين والآخر منطقة»كسنجيانغ«ذات التواجد الكبير للمسلمين. وسلطات إسلام اباد يمكنها أن تكون عاملا هاما في»كبح المتطرفين«الذين ترى فيهم الصين»خطرا حقيقيا على استقرارها الداخلي«.

ويشرح المؤلف أن باكستان تشكّل إحدى مناطق العالم التي تلتقي فوق أرضها الكثير من التحديات الاستراتيجية المعاصرة. والإشارة أنها قد تصبح في أفق أواسط هذا القرن الحادي والعشرين الدولة السادسة في الترتيب العالمي من حيث عدد السكان نظرا لإيقاع نموّها البشري ونسبة الولادات فيها.

ما يؤكّده المؤلف هو أن الصين ساعدت»عسكريا«كثيرا باكستان من أجل امتلاك السلاح النووي. كما أنها على الصعيد الاقتصادي في صميم سلسلة من المشاريع الكبرى التي لبس أقلّها أهمية بناء مجموعة من المرافئ في مقدّمتها»مرفأ جوادر«ذو الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للصين، وخطوط أنابيب وشبكة طرق وخطوط حديدية.

ويشرح المؤلف أن باكستان وجدت نفسها، من جهتها، في»صلب الطموحات الجيوستراتيجية للصين«. ذلك أنه في مقدّمة أولوياتها أن تصبح قوّة عسكرية كبرى في جميع الميادين البرية والجويّة والبحرية وأن تتوفّر لها سبل»بناء طريق حرير جديدة تربط بين حقول الطاقة في الشرق الأوسط والأسواق الأوروبية«. وباكستان هي التي تمتلك الشروط الجغرافية لتحقق للصين ذلك كلّه.

وذلك كلّه، كما يشرح المؤلف، في منظور تأمين جميع خطوط التواصل البري والبحري مع منطقة الشرق الأوسط خاصّة الغنيّة بموارد الطاقة التي تحتاج لها الصين كثيرا. هذا ناهيك عن رغبة الصين في أن تغدو»قوّة بحرية«تضاهي بقية القوى الكبرى في هذا المجال. وما يرى فيه المؤلف تأسيسا للعلاقات الدولية على»اعتبارات تنتمي للبحث عن القوّة«.

لكن الصين تبحث بالأحرى، كما يشرح المؤلف، عن تأمين ركائز قوّتها. ذلك دون الالتزام أكثر في الاندفاع نحو إنقاذ باكستان أثناء الأزمات واللحظات الصعبة التي عرفتها. هكذا لم تستجب لـ»النداءات«التي أصدرها قادتها عند انسلاخ بنغلاديش عنها عام 1971 بدعم من الهند والاتحاد السوفييتي السابق. ولم تتحقق وعود»التدخّل الأصفر ــ الصيني ـ من الشمال ولا الأبيض ــ الأميركي ــ من الجنوب«.

وتقول الأرقام الاقتصادية إن باكستان لا تحظى سوى بما يعادل ربع التعامل التجاري الذي تحظى فيه فيتنام، رغم أن حجم تجارتها لا يبلغ سوى نصف حجم تجارة باكستان. ثم إن الصين وعدت بتقديم 66 مليار دولار من المساعدات لباكستان خلال سنوات 2001 ــ 2011. لكن لم يتحقق منها في الواقع سوى نسبة 6 بالمائة.

وفي المحصلة النهائية يلقي المؤلف في هذا العمل الضوء على آليات عمل السياسة الخارجية الصينية، ويحاول الكشف عن طبيعة العلاقات»الوثيقة«بين»الثنائي الغريب استراتيجيا«و»المتنافر ثقافيا«، الصين وباكستان اللتين تتعارضان كثيرا من حيث طبيعة تاريخهما وأيديولوجياتهما.

ولا يتردد المؤلف في توصيف العلاقات الصينية ــ الباكستانية على أنها»غير متكافئة«، من جهة، ولا تعبّر عن التشارك الأيديولوجي بين الصين الشيوعية وباكستان الإسلامية. ولكن يتم التأكيد بالوقت نفسه أن باكستان»تنتظر الكثير«من الصين على الصعيد الاقتصادي أوّلاً وربما قبل ذلك، وأساساً، على الصعيد العسكري. ويؤكّد المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب أن»الصين أمل اقتصادي كبير لباكستان، وهي أيضا شريكها الأكبر على الصعيد العسكري«.

الكتاب: المحور الصيني الباكستاني.. جيوسياسية جديدة في آسيا

تأليف: اندرو سمول.

الناشر: جامعة أكسفورد ــ 2015

الصفحات:

288 صفحة

القطع: المتوسط

The China – Pakistan axis

Andrew Small

Oxford University Press –2015

288 PP