المساحة الشاسعة تثقل كاهل «أكبر ديمقراطية في العالم»

على طريقة السلحفاة.. تحديات الهند في المستقبل

صورة

من المعروف أن الحديث عن الاقتصاد الهندي يجنح نحو استخدام توصيفات تنتمي إلى عالم الحيوانات. وعديدة هي التوصيفات «المستعارة» من ذلك العالم التي يتم إطلاقها على الاقتصاد الهندي في عالم اليوم.

مرّة يطلقون عليها توصيف «الفيل الراقد» ومرّة أخرى «التنين النائم» ومرة ثالثة «النمر الحبيس في قفص». وفي آخر سلسلة تلك التوصيفات هناك تشبيه حالة الاقتصاد الهندي أنه يعمل «على طريقة السلحفاة»، كما جاء في عنوان كتاب الصحفي الهندي «ت. ن. نينان».

ويتعرّض المؤلف أوّلا لتحديد بعض التحديات التي تواجهها «أكبر ديمقراطية في العالم» بحكم موقعها الجغرافي وطبيعتها وسياقها الإقليمي. هكذا يتحدث عن العوامل الطبيعية من «مناخ وأخطار بيئية» وعن «المعاهدات التجارية والسياسات الخارجية» ومرورا بالعلاقة مع الصين ومع البلدان الآسيوية الأخرى.

يحدد أن «الاتساع الجغرافي الهائل للهند» يمثّل أحد الأسباب التي جعلت من الصعب على أصحاب القرار أن «يحددوا أهدافاً واضحة بدقّة» لما ينبغي التركيزعلى إنتاجه. هكذا مثلا يشير إلى أن الهند برعت في بناء «مفاعلات نووية» و«تصميم»سفن فضائية«ولكنها لم تتوصّل إلى»تصنيع شفرات حلاقة جيّدة«.

وفي القسم الأول من الكتاب يقوم المؤلف باستعراض واقع الاقتصاد الهندي في الحالة الراهنة وما فيه من نقاط»ضعف «سلبيات»، ومن نقاط قوّة «إيجابيات».

وعلى رأس السلبيات والمشاكل التي تعرقل مسيرة الاقتصاد الهندي يحدد خاصّة «الاعتماد على علاقات المحسوبية وليس الكفاءة» و «العوائق التي يصادفها الإنتاج» و«السياسات الشعبوية»على خلفية حسابات انتخابية و«عدم مرونة أسواق العمل وبالتالي خلق فرصه»...الخ.

لكن المؤلف يتوقف طويلا عند ما يعتبره أحد أكبر السلبيات، بل والتحديات، التي تواجهها الهند اليوم ويحددها في «عدم الكفاءة الكبيرة المطلوبة في آليات عمل الدولة» و«تقاعسها» عن لعب دورها في قطاعات «حيوية بالنسبة للهند» وحيث يكون دورها في غاية الضرورة. ذلك مقابل تعاظم دور القطاع الخاص في القطاعات «الحسّاسة» المعنيّة.

هكذا يشرح مثلا أن نسبة 43 بالمائة من التلامذة والطلبة الهنود يترددون اليوم على مدارس خاصّة. والتأكيد أن هذه النسبة ستصل في القطاعات المعنيّة إلى حوالي 60 بالمائة في أفق عام 2025. الأمر الذي يشكّل «سابقة» لا مثيل لها فيما يتعلّق بتعاظم حجم القطاع الخاص على حساب القطاع العام الذي ترعاه الدولة.

ونفس ظاهرة تضخّم دور القطاع الخاص في الهند خلال السنوات الأخيرة على حساب دور الدولة تتم ملاحظتها على صعيد القطاع الصحّي. هكذا تتم الإشارة أن نسبة 60 بالمائة من المستشفيات الهندية اليوم تعود ملكيتها للقطاع الخاص. في هذا القطاع الصحّي الحيوي بالنسبة للشرائح الشعبيّة الفقيرة، كما في القطاع الخاصّ بالتعليم، تبقى التكاليف الباهظة المطلوبة ليست متوفّرة للسواد الأعظم من الهنود.

ورغم تأكيد المؤلف أن الهند هي بلاد «التناقضات بامتياز» يحاول تقديم «قراءة متفائلة» للاقتصاد الهندي في منظور مستقبلي. ذلك تحديدا على خلفية التأكيد أن الهند تتشبّه في مسيرتها بتلك «السلحفاة» التي دخلت في سباق مع الأرنب وجدّت بالتحرّك دون كلل ولا ملل للوصول في الوقت المناسب إلى نهاية السباق.

ويلجأ المؤلف إلى دعم تحليلاته، حول نقاط ضعف الهند ونقاط قوّتها بالأرقام الموثّقة، وبالعديد من الشواهد المأخوذة من مرجعيات ذات مصداقية. كما يلجأ في نفس النهج إلى الكثير من المقارنات، خاصّة مع اقتصاد الصين «الصاعدة».

تقول الأرقام المقدّمة أن الاقتصاد الهندي يحتل اليوم «المرتبة السابعة على الصعيد العالمي». وأن معدّل النمو الاقتصادي الهندي السنوي يبلغ في السياق الراهن 7 بالمائة.هذا مع الإشارة أن معدّل نمو اقتصادي سنوي بمعدّل 6 بالمائة فقط يعني أن الهند سوف تحتل المرتبة الاقتصادية الثالثة على الصعيد العالمي قبل حلول عام 2040 بعدّة سنوات.

وفي نفس إطار الأرقام يتم التأكيد أن الهند ستغدو خلال السنوات الخمس القادمة ثالث مساهم في النمو الاقتصادي العالمي بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية.. وفي مثل هذا السياق يطلق «نينان» نوعا من «التحفّظ» بقوله إن الهند قد تبقى في حدود «قوّة إقليمية وليست عالمية».

والإشارة في نفس السياق أن السوق الهندي للسيارات يجعل البلاد في المرتبة العالمية السادسة بين أسواق هذا القطاع. لكن الإشارة بالوقت نفسه أن نسبة 5 بالمائة فقط من الهنود يملكون سيارة حتى عام 2011، كما يحدد المؤلف.

مثل هذه «المفارقة» يرى فيها المؤلف إشارة بليغة على واقع «التفاوت الاجتماعي والاقتصادي الكبير» الذي يتسم فيه المجتمع الهندي. وما يمكن أن يكون مصدر اضطرابات في المستقبل، حسب التحليلات المقدّمة.

وعلى مجمل صفحات هذا الكتاب يقدّم المؤلف «رؤية متفائلة»، لكن دون إفراط. ذلك على خلفية واقع أن الهند غدت «قوّة اقتصادية فاعلة حقيقية» على الصعيد العالمي. والتأكيد اعتمادا على ذلك أن «السلحفاة الهندية» تتحرّك ببطء كبير«ولكنها وضعت نفسها على طريق يؤدّي بها إلى أن تصبح قوّة اقتصادية كبرى في أفق عام 2030». و«المهّم ليس القول، بل الفعل»، كما نقرأ.

ونتبين في أجزاء الكتاب، أن المؤلف ــ الصحفي اعتمد في هذا الكتاب منهج التحقيق الصحفي الذي يعكس الواقع بأكبر قدر من الموضوعية وبتقديم «رؤية متوازنة» للاقتصاد الهندي بعيدا عن الانتماءات الإيديولوجية. ودون تبنّي وجهة نظر أي من الأطراف السياسية «المتنافسة» التي يلقي كلّ منها مسؤولية أي فشل يواجهه الاقتصاد الهندي على الأطراف الأخرى.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات