تشير دروس التاريخ، القديمة منها والحديثة، إلى أن السياسة تمثل أرضاً خصبة لمختلف أشكال الدسائس والمؤامرات والإشاعات. وتزدهر هذه الممارسات كلّها إذا كانت السلطة هي الرهان. ولا شك أن التاريخ الفرنسي، القديم منه والحديث، لا يشذّ عن مثل هذه القاعدة.
وتحت عنوان «جمهورية الإشاعات» يتعرّض ألكسندر دويك، الصحافي والكاتب الفرنسي، لشرح الدور الذي لعبته الإشاعات في الحياة السياسية الفرنسية خلال سنوات 1958 ــ 2016. وهذه الفترة الزمنية تتناظر مع عمر الجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958، والتي تعرف اليوم رئيسها السابع مع الرئيس فرانسوا هولاند. من هنا بالتحديد جاء عنوان «جمهورية الإشاعات».
يكرّس المؤلف مقدّمة الكتاب لتحديد مفهوم الإشاعة عبر الإجابة عن سؤال: ماذا تعني شائعة؟ وينقل عن قاموس «لاروس» التعريف التالي: «إنها خبر أو وشاية تنتشر بين الجمهور دون معرفة أصلها، وتحوم الشكوك حول حقيقتها». وتعريف آخر عن أخصائيين أميركيين مفاده أن الإشاعة «ترتبط بأحداث راهنة من دون وجود معطيات ملموسة تسمح بتأكيد دقتها».
يحدد المؤلف القول إن الإشاعة درجات. ذلك أنها قد ترمي إلى إساءة أو جرح عاطفي. لكنها يمكن أن تكون أكثر خطورة وقد «تتحوّل إلى قضيّة دولة»، مثل الاتهام بـ«سوء الأمانة المالية» أو بـ«الخيانة العاطفية». ويشير أن «نزيل قصر الإليزيه ــ الرئيس ــ كان دائماً عرضة لكل أشكال الإشاعات». يضيف «قلّة هم السياسيون في ظل الجمهورية الخامسة ــ الحالية ــ الذين نجوا من استهدافهم بإشاعات».
من الأفكار التي يؤكّدها المؤلف بالاعتماد على مصادر ومرجعيات مختلفة، أن «السياسة والإشاعة تسيران معاً».. وفي كل الحالات «المقاومة مطلوبة». والإشارة في نفس السياق إلى أن الإشاعة وجدت مكانها في الكثير من الأعمال الأدبية «من بلزاك حتى موباسان»، وأن «أدب القرن التاسع عشر زاخر بتلك الرؤية لعالم سياسة محشو بالمعلومات المخبأة وبالأكاذيب والخيانات».
المؤلف يتعرّض في مختلف هذه الفصول لتلك الإشاعات «الكبرى» التي عرفتها الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ عهد الجنرال ديغول وحتى فترة الرئاسة الحالية..
حيث يحظى عهد كل رئيس بفصل في الكتاب. وهكذا يفتتح الكتاب بفتح ملف «قضية ماركوفيتش»، باسم شخص يوغسلافي كان قريباً من الممثل الشهير آلان دولون، كانوا قد وجدوا جثّته في إحدى أمكنة جمع القمامة غير بعيد عن باريس. وتبيّن أن وراء الجريمة أوساط أرادت الإساءة إلى جورج بومبيدو الذي أصبح فيما بعد رئيساً للجمهورية الفرنسية.
ويشير المؤلف ــ الصحافي إلى أن لانطلاق الإشاعات «أماكنها التي تزدهر فيها» وتروّج لها وترددها، من المقاهي إلى السهرات والصفحات الأولى في مختلف وسائل الإعلام والأروقة السريّة للحياة السياسية. والتأكيد في السياق الراهن على الدور الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت في نشر الإشاعات. وفي جميع الحالات الإشاعات كتلك «قوّة تدمير كبيرة»، خاصّة أنها تكون في أغلب الأحيان «محبوكة بطريقة شديدة الدقّة»، وآليات نشرها فاعلة إلى حد كبير.
لقد حرص مؤلف هذا الكتاب أن يستقي أقصى ما يمكن من المعلومات من مصادرها الأساسية، هكذا التقى كريستيان توبيرا، وزيرة العدل الفرنسية التي استقالت من الحكومة أخيراً، ونجاة فالو ــ بلقاسم وزيرة التربية الحالية في فرنسا، وآخرين ممن كانوا «ضحايا» شائعات استهدفتهم. في جميع هذه القضايا ــ الإشاعات، يحاول المؤلف أن يفسّر المسألة والظروف التي أحاطت بها بالاعتماد على الشهود المعنيين مباشرة.
والتمييز أيضاً بين الإشاعات الكاذبة والإشاعات التي لها أساسها في الواقع.
وتبقى الإشاعة التي توقف عندها المؤلف طويلاً تلك التي تخص ما عُرف بـ«قضية اليغر». ذلك أنها كانت «شائعة قاتلة»، وضحيتها هو دومينيك بودي، الإعلامي التلفزيوني الشهير الذي أصبح رئيساً لبلدية مدينة تولوز ورئيساً للجنة الوطنية الفرنسية للإعلام السمعي ــ البصري ورئيساً لمعهد العالم العربي في باريس خلال سنوات 2007 ــ 2009. وكان قد أُشيع عنه تورّطه بفضيحة أخلاقية تصدّرت أخبار وسائل الإعلام الفرنسية لفترة من الزمن، قبل أن تتكشّف الحقائق.
وينتهي المؤلف إلى نقل «نبوءة» عن الصحافي آلان دوهاميل، مفادها: «أنا على قناعة بأن الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2017 ستكون حافلة بالكشف عن معلومات مزعومة ووشايات وإشاعات».
تساؤلات لا تموت
يطرح المؤلف في كتابه عدداً من الأسئلة حول فترة الجمهورية الخامسة التي يدرسها، مثل: ما مصدر الإشاعات الكبرى التي عرفتها الجمهورية الخامسة؟ وهل للرئيس الأسبق جاك شيراك حساب بنكي في اليابان؟ وهل مات رئيس وزراء فرنسا الأسبق بيير بيريغوفوا انتحاراً أم اغتيالاً؟ وهل حاول رئيس وزراء فرنسا الأسبق دومينيك دو فيلبان أن يدمّر نيكولا ساركوزي عبر القضية المعروفة باسم «كليرستيم» الخاصّة باسم «الفضيحة المالية» للتهرّب من دفع الضرائب وتبييض الأموال؟.
المؤلف في سطور
ألكسندر دويك، باحث وكاتب وصحافي فرنسي، يرأس تحرير مجلة «ماغازين الفلسفة» الشهرية منذ عام 2005. وهو أستاذ الأدب في معهد الدراسات السياسية بباريس. من مؤلفاته «الغرق في الكحول» و«الشخصية الإجرامية» في الرواية الفرنسية. له أيضاً عدّة أعمال روائية.
الكتاب: جمهورية الإشاعات، 1956 ــ 2016
تأليف: ألكسندر دويك
الناشر: فلاماريون، باريس ــ 2016
الصفحات:
300 صفحة
القطع: المتوسط
La République des rumeurs
Alexandre Duyck
Flammarion
Paris - 2016
300 PP
