يتم الحديث كثيراً عن «الحلم الأميركي». هذا بمعنى أن الأبواب مفتوحة في الولايات المتحدة الأميركية لجميع الوافدين والمهاجرين لها أن يحققوا النجاح والترقّي في السلمّ الاجتماعي والاقتصادي والسياسي إلى أعلى المراتب. وهذا ما تثبته في أرض الواقع العديد من التجارب التي عرفها أولئك الذين انطلقوا في مساراتهم المهنية بشتى المشارب والميادين من الصفر ووصلوا إلى أعلى المراتب.
ومن بين هؤلاء «زبيغنيو برزنسكي»، ابن الدبلوماسي البولندي السابق في كندا والذي اتجه إلى الولايات المتحدة بقصد الهجرة بعد توقيع المعاهدة الجرمانية ــ السوفييتية قبل الحرب العالمية الثانية.
وصلت أسرة الفتى «زبيغنيو برزنسكي» على ظهر باخرة إلى مدينة نيويورك عام 1938 عندما كان في العاشرة من عمره وأصبح طالباً في جامعة «هارفارد» عام 1950 ثمّ تابع مسيرة صعوده في العديد من المناصب العليا وصولاً إلى منصب «مستشار الأمن القومي الأميركي» خلال إدارة «جيمي كارتر»..
وسيرة حياة «برزنسكي» هي موضوع كتاب «جوستان فايس»، المؤرّخ واستاذ العلوم السياسية في جامعة جون هوبكنز الأميركية وأحد الأخصائيين الفرنسيين بالسياسة الخارجية الأميركية والمدير الحالي لـ «مركز التحليلات والتوقعات والاستراتيجيات» في وزارة الخارجية الفرنسية. يحمل الكتاب عنوان: «زبيغنيو برزنسكي: استراتيجي الإمبراطورية».
في البداية يطرح المؤلف السؤال التالي: كيف أصبح ذلك المهاجر الشاب رجل الاستراتيجيا الأوّل في القوّة العالمية الأكبر؟ وسؤال آخر: ما الذي يكشف عنه مسار صعوده من التطورات التي عرفتها جيوسياسة ــ جيوبوليتيكية ــ الولايات المتحدة الأميركية؟
ويشير المؤلف في التوصيفات التي يسوقها بخصوص «برزنسكي» أنه معروف كـ «أحد أهم الخبراء الأكثر نفوذاً في مجال العلاقات الدولية» و«أحد أفضل العارفين بالاتحاد السوفييتي في عصره». ويضيف أنه «مع هنري كيسنجر»، في عداد ذلك الجيل من المثقفين الذين تخرّجوا من «مدرسة الحرب الباردة» وفرضوا أنفسهم في المشهد السياسي الأميركي على مدى عقود كاملة.
بل ويرى المؤلف أنهما «برزنسكي وكيسنجر» مثّلا نوعاً من «تجديد النخب الأميركية».
لكن هذا كلّه لا يمنع واقع أن برزنسكي قد «تراجع» في ذاكرة الأميركيين اليوم، ولم يعد يذكره سوى ذوي العلاقات المباشرة مع مجال العلاقات الدولية. بالمقابل «بقي» كيسنجر حاضراً بقوّة وهو الذي كان وزيراً شهيراً للخارجية الأميركية والحائز على جائزة نوبل للسلام وصاحب «الرحلات المكوكية الشهيرة في الشرق الأوسط وصاحب مبادرة الانفتاح على الصين»...الخ.
لكن هذا لا يمنع أن برزنسكي هو أحد كبار «مهندسي الدبلوماسية الأميركية» في العقود الأخيرة. ويؤّكد المؤلف أن صوته كان مسموعاً «على الأقل» بمقدار «صوت كيسنجر» في السنوات الأخيرة حول الملفات الخاصّة بـ«توسيع الحلف الأطلسي» و«الحرب على العراق» و«التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط». ذلك على خلفية القناعة أنه «أفضل من وصف الروابط بين الولايات المتحدة والعالم».
والتأكيد أنه أحد أكبر خبراء العلاقات الدولية في القرن العشرين. هذا دون أن يتولّى منصباً في الإدارات الأميركية سوى في إدارة رئيس واحد هو جيمي كارتر خلال سنوات 1976 ــ1980. ولم يكن في وقت وزيراً للخارجية الأميركية. هذا فضلاً عن أنه لم يشغل إي منصب رسمي منذ ما يزيد على ثلاثة عقود من الزمن. مع ذلك «كان لأفكاره وزنها قبل ذلك وبعده».
والإشارة في هذا الإطار أن برزنسكي قد قدّم استشاراته بعد تخرّجه مباشرة من جامعة هارفارد عام 1956 لـ «هوبرت هومفري»، نائب الرئيس الأميركي الثامن والثلاثين في مطلع عقد الستينيات، ولم يتوقف عن تقديم استشاراته وتحليلاته حتى الإدارة الأميركية الحالية.
ومن المحطات الكبرى التي يؤكّد عليها المؤلف في سيرة حياة «برزنسكي» أنه أكّد في ظل إدارة جيمي كارتر على نقده الشديد لسياسة «الوفاق» التي انتهجتها إدارة ريشارد نيكسون حيال الاتحاد السوفييتي السابق.
وفي جميع الحالات يؤكّد المؤلف أن «برزنسكي» يتمتع بـ «حس واقعي» كبير بحيث إنه لم يتخذ مواقف تعتمد على الأيديولوجيا. إنه الديمقراطي الذي لم يتردد في أن يقدّم استشاراته لعدد من الرؤساء الأميركيين الجمهوريين مثل الرئيسين جورج بوش الأب والابن.
إنه كتاب يلقي فيه المؤلف، عبر سيرة حياة «زبيغنيو برزنسكي»، الكثير من الأضواء على العلاقات الدولية للولايات المتحدة الأميركية. ذلك أن «موضوع صاحب السيرة التي يكتبها» كان وثيق الصلة خلال العقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي، العشرين، بالملفات الساخنة التي تشغل الأمن القومي الأميركي .
إنه كتاب يشرح فيه مؤلفه جوستان فايس آليات صنع القرارات الكبرى في السياستين الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأميركية. ذلك من خلال سيرة حياة ومسار صعود المستشار السابق للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، «زبيغنيو برزنسكي» الذي لعب دوراً مهماً في صياغة العلاقات الأميركية مع العالم وقدّم الاستشارات للرؤساء الأميركيين وصولاً إلى الرئيس الحالي باراك أوباما.

