يدور في فرنسا خلال السنوات الأخيرة نقاش واسع حول «الهوية الوطنية الفرنسية». وليست قليلة هي الأصوات التي يقول أصحابها إن هذه «الهوية» مهددة بنقائها. ذلك أنها لم تعد تقتصر على «الفرنسيين» الأصليين وحدهم، بمعنى الصفاء العرقي بالدرجة الأولى.
مسألة «الهوية» هذه كانت الموضوع الأساسي لعدد من الكتب التي عرفتها رفوف المكتبات الفرنسية والتي لاقت قبولا كبيرا من القرّاء مثل كتاب «الانتحار الفرنسي» لمؤلفه «اريك زيمور» و«الهوية البائسة» للفيلسوف «الان فينكلكروت».
وفي مثل هذا السياق صدر قبل أسابيع قليلة كتاب جديد حول نفس الموضوع للكاتب والاقتصادي والمفكر السياسي الفرنسي «الان مانك»، المقرّب من الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، وصاحب سلسلة من الكتب التي عرف العديد منها الترجمة إلى لغات أخرى. يحمل الكتاب عنوان «فرنسي من أصول متعددة».
النظرية الأساسية التي يطرحها «الان مانك» ويناقشها من جميع جوانبها على مدى صفحات الكتاب مفادها أن «الهوية الوطنية الفرنسية» هي نتاج عملية تلاقي مجموعة مسارات تقاربت لتشكّل هوية «قامت حول ركيزتين أساسيتين». الركيزة الأولى هي الجغرافيا حيث إن «فرنسا موجودة بنسبة 80 بالمائة من حدودها الجغرافية الحالية منذ خمسة قرون». والركيزة الثانية هي «كيان الدولة القوي» الذي التفّت حوله المسارات التي أعطت لفرنسا هويتها.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين تسعة فصول يناقش المؤلف في كل منها أحد «مقومات الهوية الفرنسية ذات الأصول المتعددة». وهو يركّز في الأول منها على شرح كيف أن «انتماءه الفرنسي» يجد جذوره الأكثر عمقا في السياق الحديث بـ «المقاومة» ضد الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية مشيرا إلى أنه أحد أبناء «اليد العاملة المهاجرة» التي قدمت إلى فرنسا في بدايات القرن العشرين.
ويتحدث في الثاني عن أصوله «اليهودية». ولا يتردد في التأكيد أنه فرنسي أوّلا وأساسا وأن أصوله اليهودية ليست موجودة بالنسبة له سوى في «نظرات الآخرين»،كما ينقل عن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. ويبدي استغرابه، بل و«صدمته»، بدون مواربة، من اعتبار أي فرنسي أن انتماءه على صعيد الهوية يذهب لأي بلد غير فرنسا. ولا يتردد أيضا في إظهار شغفه الشديد باللغة الفرنسية التي يعتبرها «الميدان الوحيد الذي لا تثير فيه النزعة القومية الإحساس بالخجل».
وفي إطار التعرّض للمكوّن الذي يشكّله المسلمون في المجتمع الفرنسي والذي يثير الكثير من الجدل هذه الأيام لا يتردد«الان مانك» في القول إنه يتعرّض لهذا الموضوع من أجل الدفع نحو حلم «التجرؤ بأن يلقى المسلمون» في فرنسا «نفس المعاملة التي التي كان نابليون قد سلكها حيال اليهود اعتبارا من عام 1806». في ذلك التاريخ أصدر نابليون مرسوما إمبراطوريا يقضي بتنظيم عملية دمج اليهود في النسيج المجتمعي الفرنسي.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في مطالبة فرنسا بالخروج من جميع أشكال التشوش التي تحيط بالنظرة إلى المكوّن الذي يمثّله المسلمون في النسيج المجتمعي الفرنسي. والتأكيد أيضا في نفس السياق أنه ينبغي تكوين «الأئمة» من قبل الدولة الفرنسية ليساهموا في إبراز السمة «التصالحية» للمعتقد الإسلامي ودمج المسلمين في المجتمع الفرنسي والتأكيد على احترام القوانين النافذة من قبل الجميع.
والنتيجة التي يؤكّد عليها «الان مانك» المترتبة على ذلك يحددها بضرورة أن يتوفر لأبناء المهاجرين اليوم نفس الحظوظ التي كانت قد توفّرت لأبناء جيله باعتباره ينتمي إلى أبناء موجة سابقة من المهاجرين. ذلك على أساس المؤهلات التي يمتلكونها .
والتأكيد في السياق على «الدور المركزي» الذي يمكن للمدرسة أن تلعبه. ذلك أنها «الآلة التي يمكن أن تساهم إلى حد كبير في عملية الاندماج».هذا ويوجّه المؤلف في هذا الكتاب نوعا من الإدانة للمثقفين الذين يحاولون الإستئثار بصوت الشعب من أجل استخدام ذلك في «إقصاء أولئك الذين لا يتفقون معهم في الرأي».
من هنا بالتحديد يعلن رفضه لأولئك الذين يدبّجون خطابهم بجمل من نوع «الفرنسيون يفكّرون والفرنسيون يعتقدون». اولئك الذين «يقررون أن الشعب هو هم»، كما يكتب المؤلف مؤكّدا بالوقت نفسه أن لا أحد يملك «احتكارالشعب لحسابه الخاص».
بهذا المعنى أيضا يرى أنه ليس هناك «فرنسا واحدة» بل «إثنتين». هذا ما يبدو في العديد من المواقف التي لم يكن أقلّها بلاغة ما دلّت عليه عمليات الاقتراع مثل تلك التي أدلى فيها الفرنسيون بأصواتهم على مشروع «الدستورالأوروبي» عام 2005 وفازت فيه الـ «لا» على الـ «نعم» لذلك الدستور. يومها ظهر بوضوح الانقسام بين فرنسا الموحّدة بينما هناك فرنسا أخرى تؤكّد على تمسّكها بالسيادة الوطنية الفرنسية.
ومن الأفكار التي تتردد في هذا الكتاب تأكيد المؤلف أن فرنسا اليوم ليست هي التي تعبّر عنها الصورة التي تتكرر في الكثير من التحليلات حول فرنسا «التي تعاني من التعاسة». بل يؤكّد أنها تعاني من التناقض وما يعبّر عنه بـ «فرنسا المتناقضة».
إن «الان مانك»، وفي مختلف فصول الكتاب، يناقش العديد من الأفكار ذات الصلة بالهوية الوطنية الفرنسية. وهو يؤكّد في جميع الحالات على سمتها التعددية التي تكوّنت فيها عبر المسار التاريخي الفرنسي وفي المجال الجغرافي الذي تشكله فرنسا اليوم.

