من المعروف أن العلاقات الروسية ــ الأوكرانية تتسم «تاريخيا» بقدر كبير من التعقيد. هذا خاصّة في الحقبة ما بعد السوفييتية حيث كانت الدولتان مكونين رئيسيين من الاتحاد السوفييتي السابق. ولم يكن من اليسير والسهل على روسيا أن تتعامل مع أوكرانيا المجاورة كـ «دولة مستقلّة تماما».

وبالمقابل أرادت أوكرانيا أن تؤكّد على سيادتها واستقلالها الوطني،خاصّة حيال «الجار الروسي» القوي. ومن المعروف للجميع أن العلاقات الروسية ــ الأوكرانية عرفت حالة من التوتر الشديد منذ اندلاع أزمة،ثمّ حرب، شبه جزيرة القرم في عام 2014.

ويساهم أربعة باحثين أميركيين هم «اليزابت أ. وود» أستاذة التاريخ الروسي والسوفييتي في «معهد مازاشوستا التقني»، و «وليام بوميرانز»، نائب مدير «معهد كينان»، المختص بالدراسات السوفييتية وما بعد السوفييتية، و«و. واين ميري»، المختص بأوروبا و«أوراسيا»،أي المنطقة التي تدل على أوروبا ــ آسيا اختصارا، و«الصحفي مكسيم ترودوليوبوف»، في تقديم كتاب يحمل عنوان «جذور الحرب الروسية في أوكرانيا».

يتم تكريس الفصل الأول من الكتاب لدراسة «جذور الحرب الروسية ــ الأوكرانية»، ذلك تحديدا من منظور «صدمة الخيارات الحضارية الروسية والأوروبية بالنسبة لأوكرانيا». والتأكيد أن «الخلاف كبير جدا» بل و«ومتناقض» في التوجهات الأساسية، الأوروبية والروسية. وشرح أنه في الوقت الذي يمثّل فيه الاتحاد الأوروبي نموذجا ــ موديلا ــ لجمع عدّة دول «ذات سيادة تتعايش بشكل ممتاز فيما بينها» في إطار واحد، فإن روسيا تنظر إلى نفسها كـ «أمّة كبيرة» وأوكرانيا مجرّد بلاد «صغيرة»مجاورة لها.

يتم في هذا الإطار شرح أن التوجهات المعلنة من قبل الأوكرانيين وعلى لسان الرئيس الأوكراني «فكتور ايانوكوفيتش»، في شهر نوفمبر من عام 2013 عن وعده بتوقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي ثم «نكوصه» عن ذلك وتأكيد الحرص على العلاقات الوثيقة مع روسيا قد ساهمت، أي التوجهات «المتناقضة» في اندلاع المجابهات داخل الشارع الأوكراني بين «موالي روسيا» و«موالي أوروبا».

ويحمل الفصل الثاني عنوان «الانطلاق من الصفر ــ غراوند زيرو»، حيث تتم دراسة الدور الذي لعبه العامل الاقتصادي في نشوب الأزمة الروسية ــ الأوكرانية. والبحث في كيفية محاولة روسيا لعب «ورقة الغاز» الطبيعي الذي تزوّد فيه أوكرانيا كورقة ضغط على خياراتها السياسية والإستراتيجية. تتم في هذا الفصل محاولة الإجابة على السؤال التالي:كيف أطلق خلاف اقتصادي الأزمة الروسية ــ الأوكرانية؟.

وفي الفصل الثالث هناك محاولة أيضا للإجابة على سؤال آخر مفاده: هل تشكّل روسيا في واقع الأمر قوّة مجاورة من موقع أنها قوّة عظمى ينبغي خشيتها أم هي تمثّل أمّة مزدهرة ينبغي الاستفادة منها؟. بمعنى آخر أصبح السؤال المطروح على الأوكرانيين هو «الابتعاد في جميع المجالات عن روسيا أم مدّ الجسور معها؟.

ويتم التأكيد في هذا الإطار أن»الخيار الكبير «بين روسيا»المثيرة للخشية«وروسيا»الأمّة المزدهرة«، على الصعيد الاقتصادي خاصّة، يتعلّق قبل كل شيء بـ»روسيا نفسها«وليس بالآخرين. والإشارة أن ما فعلته عند اجتياح اوكرانيا وقرار ضمّها شبه جزيرة القرم يعني أنها مالت نحو الخيار الأول المتمثّل في بلوغ مكانة»القوّة العظمى«أو»القوّة الكبرى«... حتى الآن على الأقل.

وعنوان الفصل الرابع ــ الأخير هو السؤال التالي:» هل كانت حرب القرم بمثابة حرب ظافرة صغيرة«. والمقصود هل كانت حرباً ظافرة بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟. بل وأبعد من ذلك هل هي تعبير عن التوجهات العميقة للسياسات التي يتبنّاها حيال العالم الخارجي؟.

والتأكيد أن مثل ذلك التوجّه الروسي تعاظم في سياق ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ذلك بسبب إعلان الأميركيين أنهم «انتصروا نهائيا» وأنهم غدوا القوة العظمى الوحيدة في العالم وبالتالي هي المسؤولة عن تدبير أموره باعتبارهم «شرطي العالم». بالتوازي تقدمّت مسيرة توحيد القارّة الأوروبية ليضم الاتحاد الأوروبي 27 دولة ويشكّل قوّة كبيرة مجاورة لروسيا. وصعود القوتين رأت فيه روسيا «تهميشا» و«تحديا كبيرا» بالنسبة لها.

وفي المحصّلة العامّة، وعبر تقديم العديد من التفسيرات التي تشكّل «جذور الحرب الروسية على أوكرانيا»، يجري التأكيد أنه لا ينبغي التقليل من قيمة تأثير إرادة البشر المعنيين، وليس أقلّهم شأنا الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، في التأثير على مجرى الأحداث. هذا أيضا دون تجاهل الأولويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في خيارات أصحاب القرار الروسي.