يجري استخدام مفهوم «الدولة الفاشلة» للدلالة على حالة بعض الدول التي لم تعد قادرة على القيام بالمهمات الأساسية المنوطة بها. ذلك بالاعتماد على عدد من المعايير المتفق عليها عالميا.
ويتم أحيانا استخدام هذا التوصيف بالتحديد لإصباغ الشرعية على تدخل المجموعة الدولية من أجل «إعادة بناء» الدولة المعنيّة. ومن المعروف أنه جرى استخدام هذا التعبير أو بعض مرادفاته التي تصب في نفس الاتجاه بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصّة اعتبارا منذ عقد التسعينيات الماضي.
والمسائل المتعلقة بـ«فشل الدولة» وأسبابه ونتائجه وآلياته أمور تمثّل صلب كتاب زارياب اقبال، أستاذة العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا الأميركية وهيرفي ستار، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة كارولينا الجنوبية، الذي يحمل عنوان «فشل الدولة في العالم الحديث».
تتوزّع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول ومقدّمة وخاتمة. وفي المقدّمة يقدّم المؤلفان نوعا من الاستعراض السريع للأعمال السابقة التي أولت اهتمامها بمسألة «فشل الدولة» وذلك من النواحي المتعلّقة بتعريفاتها والمفاهيم التي أحاطت بها والكيفية التي تمّت على أساسها أسباب فشل الدول ونتائجه. بهذا المعنى يقدّم الكتاب مساهمة نظرية لظاهرة فشل الدول وما يدفع بها نحو «الفوضى»، وربما الانهيار.
كما يحدد ما يمكن اعتباره بمثابة «الخيط الناظم» للتحليلات المقدّمة والمتمثّل في القول إن «فشل الدول» يكون باستمرار على قاعدة «تضافر العديد من العوامل الداخلية والخارجية والتأثيرات الدولية».
من هنا بالتحديد يتم التأكيد على الأهمية الكبرى التي يكتسبها فشل الدول بالنسبة للسلام والأمن العالميين في النظام الدولي السائد اليوم. ويتم في هذا السياق الربط بين مختلف الظواهر السياسية التي تعرفها مختلف بلدان العالم ومناطقه وبين العلاقات الدولية والسياسات الخارجية للدول الكبرى بشكل خاص.
والفصل الأول من الكتاب مكرّس لدراسة «المفاهيم والتعريفات» الخاصّة بـ«فشل الدول». ويبيّن المؤلفان مدى التباين والخلط فيما يتعلّق بـ«المعنى الدقيق» الذي يتضمّن عليه مفهوم «فشل الدولة». مثل هذا الخلط يجد أصداءه في بروز سلسلة تعابير للدلالة على الظاهرة. وليس أقل تلك التعابير ترددا «الدولة الفاشلة» و«الدولة التي هي بصدد الانهيار» و«الدولة خائرة القوى» و«الدولة المفلسة» و«الدولة المهدّمة».
والإشارة في هذا السياق الى أن عدم الوضوح في التعريفات المستخدمة للدلالة على «فشل الدولة»، أدّت إلى الكثير من الغموض في «المفاهيم المستخدمة». وكذلك إلى قدر كبير من «الإبهام» في فهم «طبيعة الظاهرة» نفسها. وبالتالي في تحديد «مدى الفشل» الذي تعاني منه الدولة المعتنيّة و«مدى ضعفها» و«مدى التهديد الذي تواجهه في فقدان الاستقرار وربما في الانهيار».
في الفصل الثاني من الكتاب تتم دراسة «أسباب فشل الدول»، حيث يتم العرّض لشرح الأسباب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تساهم في تعريض هذه الدولة أو تلك لـ«الفشل».
ويدرس المؤلفان في الفصل الثالث «مدى الاستمرار الزمني لفشل الدول». ويتم في هذا الصدد التعرّض أوّلاً لمدى «عمق» الأسباب التي أدّت إلى «فشل الدولة المعنيّة». وعلى أساس ذلك يتمّ تقدير مدى الفترة الزمنية الذي يمكن أن يستمرّ ذلك الفشل.في فصل آخر يتم البحث في «تباين تجارب التعامل مع ظاهرة فشل الدولة».
ذلك أن بعض الدول التي تعرف درجة ما من الفشل لا تستطيع «المحافظة على مستوى النهوض النسبي الذي حققته لفترة طويلة»، بينما أن دول أخرى تسقط من جديد في «حالة الفشل». ويقارن المؤلف بين أربع حالات لدول «لها خصوصياتها» ولكنها «تتشابه فيما بينها بعدد من السمات الأساسية»، وهي: أفغانستان في آسيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وساحل العاج وأثيوبيا في القارّة الإفريقية.
ثمّ فصل خامس عن «نتائج فشل الدولة» حيث يتم التأكيد على سمة أساسية تتمثّل في «امتداد رقعة الفشل» انطلاقا من دولة واحدة كي تطال النتائج الدول المجاورة وأبعد من ذلك الإطار الإقليمي.
الفصل الأخير يحمل عنوان «الوقاية والإدارة»، والوقاية من «فشل الدولة»؛ والإدارة تخص «إدارة الأزمة» في منظور استعادة الدول الفاشلة المعنية لـ«شيء من عافيتها».
وتركز خاتمة العمل على مسألة يعتبرها المؤلفان أساسية فيما يتعلق بظاهرة فشل الدول. ومفادها أنه ينبغي «التعمّق في دراسة ظاهرة فشل الدول» وعدم قدرتها على القيام بدورها الطبيعي. ودراستها تحديدا في إطار الدراسات التي تعنى بالسياسة الدولية وبمسائل الأمن في العالم. والتأكيد في نفس السياق على الأهمية المركزية لمسائل «الوقاية من فشل الدول» وليس على «معالجته» و«إدارته».
