يتفق أغلب المحللين والمراقبين والإستراتيجيين اليوم بشتى انتماءاتهم ومشاربهم ومعسكراتهم والإيديولوجيات التي ينتمون لها والقوى السياسية التي يلتزمون بها أو يتعاطفون معها على التأكيد أن العالم الذي نعيش فيه يمرّ بمرحلة مفصلية وشديدة الحساسية من مسيرة تطوّره. وفي مثل هذا السياق يتم طرح العديد من الأسئلة حول المستقبل ومصير الإنسانية وكيفية مواجهة التحديّات المطروحة.

وتحت عنوان «المنعطف الثاني» يكرّس شارل هاندي، الفيلسوف الاجتماعي والباحث الاقتصادي الشهير والأستاذ في مدرسة لندن للاقتصاد، الأيرلندي الأصل، كتابه الأخير للبحث في الكيفية التي ستقوم على أساسها المجتمعات الغربية، والعالم الغربي عموما، الكثير من طبيعة علاقاتها خلال العقدين القادمين.

وما سيتبعه بالضرورة من العديد من أشكال التغيّر بالنسبة للأفراد كما لأنماط التنظيم المجتمعي. وهو يقدّم ذلك تحت عنوان فرعي مفاده «أفكار من أجل إعادة اختراع المجتمع».

ومن موقع اهتمام المؤلف بالمسائل المتعلّقة بآلية تنظيم المؤسسات والشركات الاقتصادية واعتبار أن أعماله تركت، حسب رأي العديد من المحللين والنقّاد، أثراً كبيراً على هذا المضمار وجعلت منه أحد كبار المفكرين المعاصرين، يحاول في هذا الكتاب الجديد أن يتعرّض لتحليل آليات عمل المجتمع بصورة أعم وأشمل.

وهذا ما يفعله بالتحديد في الـ 44 دراسة التي تشكّل مادّة العمل. هذا في زمن تجتمع فيه آراء الباحثين عموما على أن المجتمعات الغربية الحالية «لا تعمل كما ينبغي». ذلك بالتوازي مع التأكيد عموما أن «الحياة غدت صعبة بالنسبة لأغلبية البشر». كذلك القناعة أن فائدة ثمرات التقدّم العلمي والتكنولوجي هي «انتقائية» بدرجة عالية.

في البداية يتساءل المؤلف عمّا إذا لم يعد كافيا التعرّض لمعرفة إذا كانت الأسواق المالية قد فقدت هيمنتها؟ وهل لم يعد الكسب كافيا كي يكون هدفا بحدّ ذاته؟...الخ. بل يرى أنه ينبغي «في منظور المستقبل» الاهتمام بـ «مسائل أكثر عمقا».

وبالتالي طرح عدد من الأسئلة، «الأكثر عمقاً» هي الأخرى والتي تربط بين أي نشاط اقتصادي وغيره وبين غاياته المستقبلية و«من أجل من؟». ويشير المؤلف فيما يبدو بمثابة توصيف ــ تشخيص ــ مجتمعات العالم الغربي، وخاصّة الأوروبية منها، إلى أن هذا العالم «قد غدا يعمل على شاكلة الدخول إلى سن التقاعد.

ذلك بنوع من الاكتفاء بحياة تتسم بالهدوء والتعقّل بعد الأزمة المالية والاقتصادية الكبرى» التي انطلقت من الولايات المتحدة الأميركية في خريف عام 2008.

ومن ما يؤكّد عليه المؤلف هو أنه هناك «الكثير من المخاطر والمزالق بالنسبة لمجتمع تمّ بناؤه على أساس القروض». ولا يتردد في هذا الإطار في توجيه النقد الشديد للتعلّق بـ «أسطورة النمو الاقتصادي المستدام».

ويؤكّد المؤلف على الأهمية المركزية للتجديد، بعد أن اصبحت الراسمالية على وشك التبدد نهائيا، وكذا عقب أن ادخلتها الثورة الرقمية في معمعة التقاعد. ويشدد على اهمية التجيدي خاصّة في المجال التكنولوجي، عبر القيام بـ «منعطفات» جوهرية في حياة البشر وفي علاقاتهم.

المثال الذي يذكره هو اختراع المطبعة من قبل «غوتنبرغ» وكيف أنها أصبحت قادرة على طباعة 3600 صفحة في اليوم بدلاً من أقل من عشر صفحات مكتوبة باليد. لكنها، أي المطبعة، كانت، كما يشرح «هاندي»، قد ساهمت في تقدّم العلوم وخلق طبقات اجتماعية ومهن جديدة ولم تكن بعيدة عن حركة «الإصلاح البروتستانتي».

كما يشرح ما يسميه «توجهات عالم الأعمال» في «عالم يتبدّل بسرعة فائقة» إذ سيجلب بالضرورة، برأيه، تغيّرا كبيرا في حياة البشر وفي أنماط نشاطاتهم. والكتاب يطرح فيه مؤلفه سلسلة طويلة من الأسئلة حول ما يعتبره رهانات المستقبل وتحدياته.

لكنه لا يكتفي في الواقع بطرح الأسئلة، بل يحاول «ضمنا» التوجيه نحو عدد من «مشاريع» الإجابة وتبيين «الإمكانيات» بدلا من طرح «الحلول». وفي جميع الحالات يتم التأكيد على دور التكنولوجيا التي كانت باستمرار «قوّة محرّكة للتغيير». ويركز على دراسة مستقبل المؤسسات والشركات الاقتصادية لرسم ملامح صورة المجتمع كلّه في المستقبل.

إبداعات مهددة أن تغدو مجانية..فزائلة يشير مؤلف الكتاب إلى أن «جميع ما يقوم على تقديم المعلومات، من كتب أو أعمال موسيقية أو تسال متنوّعة، سيغدو مجانيا، فهذا يعني أيضا أن عالم المنتجات المجانية سيوفّر عددا من فرص العمل التي تؤمّن دخلاً جيّداً».

كما يسوق المؤلف جملة من الملامح والأشكال الدالة على عمق «التغيير» في مجتمعاتنا العصرية.. ويتساءل: «مَن سيحل محل الـ 250 مليون فرصة عمل التي ستختفي؟».

ويشير في الصدد إلى أن مجموعة «كوداك»، الزائلة، كانت تستخدم 145000 عامل بينما لا تستخدم مجموعة «فيسبوك» اليوم سوى 6000 عامل. كما إن ( فيسبوك) نفسها اشترت «واتس اب» بمبلغ 19 مليار دولار وأضافت لملاكها 55 مستخدماً جديداً فقط.

ومن المحاور الأساسية التي تتكرر في تحليلات هذا العمل تركيز المؤلف على دراسة وتحليل المنظومة الرأسمالية بجميع «نسخها» وضمن سياقاتها التاريخية. ذلك من أجل محاولة الإجابة عمّا إذا كانت «تياراتها وتوجهاتها» في السياق الراهن قابلة للاستمرار، وإلى أي مدى؟.