سنّت وزارة التربية والتعليم الفرنسية في ربيع عام 2015 قانوناً مدرسياً مكرّساً لما سمي «إصلاح المناهج» في الحلقة الإعدادية. يكمن جوهر هذا القانون في أنه اعتباراً من شهر سبتمبر من هذا العام 2016 سيتم إلغاء تدريس اللغتين اللاتينية واليونانية القديمة من الحلقة الإعدادية في المدارس الفرنسية العامّة، وبحيث لا يطال ذلك المدارس الخاصّة.
على اعتبار أنها لا تعني سوى نخبة قليلة من الطلبة، وتتطلّب قدراً كبيراً من الإعداد ومن التكاليف. واقترحت الوزارة المعنية أن يتم التعويض عنهما بنوع من التدريب العملي حول الحقب القديمة، ويقوم به مدرّسون متعددو المشارب. وهذا يعني بوضوح أنها بالفعل «لغات ميتة وغير مفيدة».
والإشارة إلى أن الممارسة التعويضية الموجّهة لطلبة المراحل الإعدادية تتم، حسب نصوص القانون المعتمد، باسم «تعميم ــ ديمقراطية ــ التعريف بالحقب القديمة لجميع الطلبة». وليس الاكتفاء بالتوجه لنسبة 20 بالمئة الذين يتعلّمون اللاتينية و3 بالمئة لمتعلّمي اليونانية القديمة. هذا فضلاً عن التأكيد «الرسمي» أن الأهل الذين يختارون تعليم أبنائهم اللاتينية أو اليونانية لا يفعلون ذلك بدافع الفائدة، ولكن على أساس «المؤشّر الاجتماعي» لذلك الاختيار.
أثار هذا القانون الكثير من الجدل، بل ومن المرارة، لدى العديد من المدرّسين لهاتين اللغتين ومن المثقفين أيضاً الذين يرون في اللغتين اليونانية القديمة واللاتينية جذرين ثقافيين مهمين بالنسبة للحضارة الغربية الحديثة. ولم يتردد البعض في اعتباره، أي القانون المعني، نوعاً من «العبث»، حسب توصيف بيير جودي دو لاكومب، الأخصائي بالعالم اليوناني القديم والذي يقدّم كتاباً حول هذا الموضوع تحت عنوان «مستقبل الأقدمين».
ولا يتردد المؤلف في الدفاع عن ضرورة تعليم اللغتين القديمتين اللتين تمثلان مرجعيات ثقافية وحضارية أكثر مما هي مرجعيات لغوية بحتة. ويضيف أن تعليم هاتين اللغتين «الميتتين» و«المجهولتين» ينمّ عن ممارسة فيها الكثير من المساواة بعيداً عن الفائدة المباشرة. وهذا ينمّي لدى الشباب المعنيين حبّ خوض التجارب الشخصيّة وحسّ التنقيب في التاريخ.
بهذا المعنى يرى المؤلف أن قرار وزارة التربية والتعليم الذي سيكون نافذ المفعول سبتمبر المقبل، هو بمثابة «حرب جديدة على اللغتين اليونانية القديمة واللاتينية، كما تعوّدت فرنسا أن تفعل منذ القرن الثامن عشر»، كما نقرأ.
ويشرح أن مثل هذا التوجّه يندرج في سياق «ميل يثقل على النظام التربوي الفرنسي ويرمي إلى تهميش الدراسات الكلاسيكية التي كانت أدوات السيطرة قديماً». وهذا ما يرد عليه القائمون على إصلاح البرامج التعليمية بأن «العالم قد تغيّر وأنه ينبغي تجاوز مختلف أشكال الحنين». والقول بضرورة تجاوز «النموذج ــ الموديل ــ النخبوي في المدرسة».
ويشير المؤلف إلى أن الفرنسيين اليوم، وعلى غرار العديد من الشعوب التي انحدرت لغتها من اللاتينية القديمة، يرددون يومياً سلسلة من الكلمات مثل «ديمقراطية» و«إمبراطورية» و«تقنيّة» وغيرها. ويشرح أنها ليست مجرّد «ألفاظ» ولكنها أيضاً تدل على مفاهيم جرى «تثبيتها في نصوص مكتوبة»، واكتسبت معناها ومدلولها عبر النقاشات والحجج.
وتعلّم اللغة التي كُتبت فيها هو أيضاً تمرين على استخدام منطق الحجج الذي تأسست عليه. ثم إن هذا يسمح بمعرفة الآخرين ــ الأقدمين ــ وإصدار الإحكام عليهم. وما يعبّر عنه المؤلف بالقول إن قراءة اليونانيين والرومان بلغة عصرهم تسمح بـ«الدخول المتأني لفكرهم». ويضيف أن القراءة أيضاً تمثّل رافداً أساسياً للثقافة. «الثقافة تعتمد على قدرة القراءة»، كما نقرأ.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يؤكّد أهمية قراءة النصوص اليونانية القديمة واللاتينية، فإنه يؤكّد في الوقت نفسه أن الحقب القديمة هي بمثابة «البوتقة» التي تفاعلت فيها عبر التاريخ الثقافات القديمة من يونانية ولاتينية، ولكن أيضاً صينية وعربية وإفريقية. في جميع الحالات يرى المؤلف أن اللغات تمثل «الرابطة بين الأقدمين وبيننا».
يبقى من المهم القول إن مؤلف هذا الكتاب يبتعد في تحليلاته عن الخطاب السائد الذي يردده كثير من الباحثين الأوروبيين، والذي يجعل من الانتماء إلى اليونان وروما القديمتين نوعاً من البحث، وبالأحرى التأكيد على وجود هوّية حضارية مشتركة لها جذورها المحددة القديمة.
لكن المؤلف يركّز في المقابل على أهمية عدم الانقطاع عن الماضي ومرجعياته في حقبة الإنترنت، وما يفرضه من «حضارة اللحظة» التي لا تمتلك أي بعد «تأمّلي عميق». ثم إن دراسة القدماء تسمح لأجيال الحاضر أن يتأمّلوا كيف كانوا يفكّرون في حقبة تتمايز كثيراً عمّا هو سائد اليوم. وعبر هذا يمكن للمجتمعات الحديثة والمعاصرة أن تحاكم الأمور بطريقة مختلفة.
ومما يؤكده المؤلف أن تجربة قراءة القدماء «لها قيمة تربوية ــ بيداغوجية ــ واجتماعية وسياسية». ذلك أن «الدخول في ثنايا نص مثل النصوص اليونانية القديمة واللاتينية مكتوب بلغة لم يعد يتحدث بها أحد وبالتالي ليست مرتبطة بأي امتياز اجتماعي هو، أي الدخول، حالة تعبير رائعة عمّا يمكن أن تقدّمه القراءة».
ونقاش حول اللغات القديمة وتعليمها في المدارس الفرنسية، إثر إقرار حذف اللغتين اليونانية القديمة واللاتينية من المدارس الإعدادية. وعرض لمختلف الآراء في اتجاه وآخر.
ومن المقولات التي يؤكّدها المؤلف، في تحليلاته عن أهمية تعليم اللغتين اليونانية القديمة واللاتينية، أن اليونانيين ليسوا مجرّد الجدود القدماء للحضارة الأوروبية، بل غدوا أقرب من ذلك اعتباراً من قيام المركز الذي مثّلته الإمبراطورية الرومانية. ويحدد القول إن تلك الإمبراطورية «اعتمدت اللغة اللاتينية» التي انـــــــحدرت منها اللغات الأوروبية، ولكنها «تبنّت الثـــــقافة اليونانية القديمة».
