هناك الكثير من الأسئلة التي يتم طرحها اليوم حول مصير الاتحاد الأوروبي. وهل تستطيع مسيرة توحيد القارّة الأوروبية أن تثبّت ركائزها وتؤكّد قدرتها على الاستمرار. هذا في سياق الأزمة الكبرى التي يواجهها الاتحاد الأوروبي عقب نشوب «أزمة الميزانية» التي تعصف باليونان منذ سنوات وتهدد الكيان الأوروبي الموحّد بالتقهقر، هذا إذا لم يكن بالتفكك.

فكيف يمكن أن نعطي الثقة من جديد لأوروبا في الوقت الذي تجتاز فيه أزمة لا سابق لها بعد الشروع بمسيرة توحيدها في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وهذا في الوقت الذي لا يكفّ فيه الساسة الأوروبيون ومواطنو بلدان الاتحاد الأوروبي عن التشكيك بمصير مسيرة الاتحاد الأوروبي؟.

الإجابة على هذا السؤال المصيري بالنسبة للاتحاد الأوروبي ولمستقبل توحيد صوت القارّة هي بالتحديد موضوع الكتاب الأخير لـ «روبير ميناس» الكاتب والباحث النمساوي الذي صدرت له العديد من الدراسات حول السياسة النمساوية وحول المسائل الأوروبية.

يحمل الكتاب عنوان «رسالة تأييد لأوروبا»، ويقدّم فيه مؤلفه، إلى جانب تأكيده على أن أوروبا الموحّدة هي أمل للمستقبل، نوعا من «المرافعة» بمواجهة «النزعات القومية الأوروبية» التي سادت مع قيام وهيمنة ما عُرف بالدول ــ الأمم، كما يشير العنوان الفرعي للكتاب.

ويشير المؤلف في الصفحات الأولى من كتابه كيف أن تلك النزعات القومية الأوروبية الضيّقة التي قامت على أساس إعطاء الأولوية المطلقة للمصالح الخاصّة «الفرنسية أو الجرمانية بنسختها البروسية سابقا». ويشرح كيف أن تلك النزعات كانت وراء نشوب اربع حروب مدمّرة في القرن التاسع عشر والقرن العشرين وحدهما. وذهب ضحيّة تلك الحروب عشرات الملايين من الأوروبيين.

تلك الحروب تمثّلت في الحرب النمساوية البروسية في عام 1866. والحرب الفرنسية ــ البروسية خلال عامي 1870 و1871. ثم الحربان العالميتان، الأولى خلال سنوات 1914 ــ 1918، والثانية 1939 ــ 1945. هذان الحربان الكونيتان يرى فيهما المؤلف «حربا واحدة استمرّت 30 سنة ما بين عام 1914 وعام 1945»، كما يكتب. ذلك على خلفية فكرة مفادها أن «معاهدة باريس» بعد الحرب العالمية الأولى أسست لنشوب الحرب العالمية الثانية بسبب «إرادة إذلال» ألمانيا.

يشرح «روبير ميناس»أن تلك الحروب كلّها تغذّت من «نزعة العداء الغريزي بين الأمم الأوروبية» من جهة، وعلى قاعدة «البحث عن تحقيق المصالح الخاصّة مهما كان الزمن»، من جهة أخرى. وهذان العاملان يرى فيهما المؤلف التهديد الأكثرخطورة على أسس البناء الأوروبي.

ويحدد القـــــول أن ثمن ذلك كان باهـــظا جدا. ذلك أن تلك الحروب أدّت إلى «تهديم البنيات الأساسية الأوروبية» و «تقهقر الصناعات الثقيلة أو مصادرتها». وتوازى ذلك أيضا مع «ندرة المساعدات والسلع والمنتجات الأساسية». ويخلص المؤلف من توصيف الخسائر الفادحة التي دفعــها الأوروبيون إلى نتيجة أساسية مفادها أن «مثل هذه الحروب ينبغي أن لا تتكرر».

ونتيجة أخرى يؤكّد عليها المؤلف بأشكال مختلفة في تحليلاته للمسار التاريخي الأوروبي التنازعي مفادها أن «التجربة التي يبرزها الواقع هي أن المعاهدات الخاصة بالسلام التي وقّعتها الأمم الأوروبية فيما بينها لم تكن تساوي الورق الذي كُتبت ووُثّقت عليه». ذلك أنها «لم تصمد في واقع الأمر أمام البحث عن تحقيق المصالح الخاصّة مهما كان الثمن»،كما يكرر القول.

وعلى أساس مختلف الدروس والنتائج التي يخرج بها المؤلف من تحليله للواقع الأوروبي وللأهمية الجارفة التي توليها الأمم الأوروبية لمصالحها الخاصّة يؤكّد على فكرة «مركزية»بالنسبة له. وهي أن مشروع الوصول إلى سلام أوروبي حقيقي يتطلّب الذهاب أبعد من سياسات التحالفات والمعاهدات و«ربط المصالح الخاصة لكل أمّة اوروبية بالعمل الأوروبي المشترك».

كيف؟

يجيب المؤلف: «عبر تداخل المؤسسات». نقرأ:«ينبغي تحقيق التداخل بين المؤسسات الأوروبية على صعيد الاقتصاد بشكل خاص بحيث تصبح كل منها تابعة للمؤسسات الأخرى وبحيث لا يمكن تحقيق المصالح الخاصّة إلّا بواسطة العمل الأوروبي المشترك».

ويضيف المؤلف أن نجاح الاتحاد الأوروبي واستمراره وتحسين فاعليته أمور تتطلّب أن يكون بالفعل «ترجمة لإرادة مشرّبة بدماء الأوروبيين وما يتضمّن بالضرورة تجاوز المصالح الخاصّة».

بكل الحالات يبدي مؤلف هذا الكتاب «تفاؤله» حيال جديّة الأوروبيين في العمل على تجاوز الأزمة التي انطلقت بسبب عجز الميزانية في اليونان. و«يذكّر» أولئك الذين يرون أنه من المستحيل تجاوز الأزمات، وأبعد منها تحقيق الوحدة الأوروبية، بالعديد من المواقف التي تسير في اتجاه يخالف رؤيتهم المتشائمة.

هيشيرالمؤلف أنه عندما تأسست «المجموعة الأوروبية للفحم والصلب» عام 1951 كان ينبغي على فرنسا أن «تتخلّى عن شيء من سيادتها لصالح ألمانيا».

لم يكن مثل ذلك التنازل سهلا على فرنسا، كما يشير المؤلف، نظرا لكون أنها كانت قد عاشت تجربة الاحتلال النازي لبلادها قبل سنوات قليلة. مع ذلك اقترع البرلمان الفرنسي، ضد توجّه الرأي العام، لصالح «المزج بين المصالح المشتركة الفرنسية ــ الألمانية»، وما يشكّل أمراً جوهرياً بالنسبة لتحقيق السلام في أوروبا.

ويضيف المؤلف:«إذا كان هناك من ينبغي عليه أن يتذكّر ذلك فهو بالتأكيد ألمانيا».