من المعروف أن الحياة السياسية الأميركية تتوزع بين قوتين أساسيتين، تتناوبان على السلطة فيها، وهما الحزب الجمهوري «اليميني المحافظ»، والحزب الديمقراطي، «الذي يمثل اليسار الأميركي». ومن المعروف أيضاً أنه ومهما كان المعسكر السياسي الذي ينتمي له الأميركيون فإن الجميع يلتقون، إلى هذه الدرجة أو تلك، حول مجموعة من القيم الأميركية التي يُطلق عليها توصيف «المحافظة».

هذه القيم تشكل العمود الفقري لـ«ثقافة» تؤكد ضرورة المحافظة عليها، بل وجعل معسكر اليمين المحافظ منها جوهر معاركه السياسية والاجتماعية، وبحث باستمرار عن استثمارها لدى الناخبين الأميركيي، لكن بدا للكثيرين أن القيم الأميركية المحافظة تواجه هزة كبيرة في السنوات الأخيرة.

وعلى خلفية مثل هذا «التهديد» صدر مؤخراً كتاب يسهم فيه وليام ج. بينيت، وزير التربية الأميركي الأسبق وأحد المساهمين بالبرامج الإذاعية في «راديو صباح أميركا»، وجون ت.كريب الباحث الاجتماعي الأميركي، بهدف تقديم «أفكار محافظة لتحفيز الأجيال القادمة»، كما جاء في عنوانه الفرعي. وفي منظور إعادة بناء «أميركا القوية»، مثلما يقول العنوان الرئيس.

وكونه مدخلاً إلى معالجة موضوع «القيم المحافظة» يحاول المؤلفان في البداية شرح ما تعنيه تلك القيم المحافظة من مبادئ..

وذلك بعيداً عن كل ما قيل من قبل الكثيرين و«ما اقتنع به عدد كبير من الشباب الأميركي»، حسبما يشيران، إلى أن «المحافظة» تعني بالدرجة الأولى «التطرف وعدم التسامح»، بل والذهاب أبعد من ذلك في التخويف منها، وبأنها «انحراف يعرض مستقبل أميركا للخطر»، لكنهما يشرحان أنها تماماً عكس ذلك.

والدعوة الملحة الموجهة لأجيال الشباب المعنيين بالتمثل العميق لتلك الأفكار، التي «صنعت من الولايات المتحدة الأميركية أمة عظيمة، ولذلك تنبغي صيانة تلك الأفكار». والابتعاد بالمقابل عن تلك الصورة «السلبية» التي يرسمها الديمقراطيون ــ اليساريون ــ واللبراليون لحقيقة القيم المحافظة.

والتذكير بتلك السنوات غير البعيدة جداً التي كان الأميركيون يقرأون فيها في منازلهم «بصوت عال» الكتب، التي تدعو للفضائل. هكذا من خلال العودة إلى التاريخ ومحاولة شرح وتحليل ما يعتبره المؤلفان «حقيقة القيم المحافظة» يتم التأكيد على «الدينامية الكبيرة التي تمتلكها الأخلاق المحافظة».

ويحاول المؤلفان شرح «مضمونها». ذلك بالتحديد من خلال خمس أفكار ــ مبادئ، يريان أنها تتماشى مع مستلزمات العصر وتستجيب لها، وهي تشكل بالوقت نفسه المحاور الأساسية لتحليلات هذا الكتاب.

الأفكار ــ المبادئ «المحافظة» الخمسة الموجهة لأجيال الشباب في أميركا تتمثل في«حرية إنشاء المشاريع»و«الحد من سلطة الحكومة الأميركية الفدرالية وحكومات الولايات» و«المحافظة على الحرية الفردية وتعزيزها» و«التأكيد على التمسك بالدفاع الوطني» وأخيراً «المحافظة على القيم التقليدية».

على صعيد «حرية إنشاء المشاريع» وممارسة النشاط الاقتصادي «الحر» يتم التأكيد على مجموعة من الأسس، التي يتصدرها التأكيد على «المساواة في الحقوق والحظوظ بين المواطنين الأميركيين». كذلك التأكيد على ضرورة الالتزام بكل ما يمكن أن يسهم في حماية البيئة.

وفي ما يتعلق بـ«الحد من سلطة الحكومة الفدرالية الأميركية وحكومات مختلف الولايات» تتم مناقشة مسائل «الدولة المانحة»، ودورها المطلوب في حماية الشرائح الأكثر هشاشة في المجتمع.

بالنسبة لصيانة الحرية الفردية يؤكد المؤلفان أن «القيم المحافظة» تدعو إلى «إعطاء الأولوية لسلطة القانون ومعالجة مسألة الهجرة بشكل دقيق وحاسم.

وبشرح المؤلفان على مدى العديد من الصفحات كيف أن «أميركا القوية» كانت تلك التي صانت باستمرار«القيم الأخلاقية، الروحانية منها والمالية».

كما يرى المؤلفان أن هناك العديد من المسائل الأخرى التي أسهمت في«زيادة ضعف» الولايات المتحدة الأميركية. وفي مقدمتها «فشل العديد من المؤسسات» الأساسية وعلى رأسها «الأسرة والكنيسة». لكن المؤلفين يعربان باستمرار عن نوع من الأمل بأن تستعيد أميركا«صحتها».

والتأكيد أن الأمر يتعلق في نهاية المطاف بقدرة «نقل الحــقائق والرؤية المحافظة للأجيال القادمة»، ذلك أن هذه الأجيال هي وحدها القادرة على أن تعيد لـ«الأمة الأميركية الفتية» الأمل بالمستقبل و«النشاط الذي لا بد منه لبلوغ ذلك».

وكتاب يمكن أن يندرج في سياق التحضير للانتخابات الرئاسية الأميركية في خريف هذا العام 2016. وفي العموم، لا يكتفي مؤلفا الكتاب بتقديم مجموعة من الأفكار والمبادئ النظرية والأخلاقية، لكنهما يخوضان في العديد من المشاكل والمسائل التي يواجهها المجتمع الأميركي، كما تواجهها أجيال الشباب الأميركيين. ه