من المسائل التي يتكرر التعرّض لها في النقاشات التي تشهدها الساحة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، تلك الخاصّة بـ «الهوية الوطنية». ويشكل الماضي الاستعماري الفرنسي عموما ..
وفي الجزائر خصوصا، حيّزاً كبيراً من الاهتمام بفعل الحقبة الزمنية الطويلة ــ 132 سنة ــ للوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر ووجود حوالي مليون جزائري يقيمون في فرنسا، بينهم نسبة هامّة من الحاصلين على الجنسية الفرنسية. وهذا الواقع يعطي للجزائر مكانة «خاصّة» في الذاكرة التاريخية الفرنسية...والجزائرية أيضا.
ومن أهم المؤرّخين الفرنسيين المعاصرين الذين أولوا اهتمامهم الأوّل والأساسي لكتابة تاريخ العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية وتاريخ حرب التحرير الجزائرية وفترة ما بعد الاستقلال المؤرّخ «بنجامان ستورا» المولود في مدينة «قسنطينة» بشرق الجزائر ..
والذي تربطه بها ذكريات طفولته. وكان هذا المؤرّخ قد درس باهتمام بالغ المسائل المتعلّقة بـ «الذاكرة» وفعلها وآثارها في «صياغة» العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية وفي المجتمع الفرنسي حتى اليوم.
وبعد أن صدر له في عام 1999 كتاب تحت عنوان «تحويل ذاكرة» وناقش فيه بالتحديد الأسباب التي جعلت المجتمع الفرنسي «يفشل» في التفكير بماضيه الاستعماري وما رافق ذلك من أحداث كبرى ظلّت محفورة في الذاكرة يعود اليوم من جديد في عمل حول نفس الموضوع بكتاب يحمل عنوان «الذاكرات القاتلة».
ومن أجل مناقشة مسائل الذاكرة ومسار تطوّرها وتأثيرها على العلاقات الفرنسية ــ الجزائرية وانعكاساتها في المجتمع الفرنسي، اختار بنجامان ستورا اللجوء في مقاربة «الذاكرات القاتلة» إلى صيغة الحوار مع الروائي «اليكسيس جينّي»، الحائزعلى «جائزة الغونكور» لعام 2011، حيث يتم «التفكير عبر صوتين وموقفين» للمواضيع التي يتم نقاشها وذات العلاقة المباشرة بمسائل الهوية في فرنسا.
وهو يحاول في هذا الكتاب الجديد أن يشرح كيف أن اليمين المتطرّف الفرنسي ممثلا بحزب «الجبهة الوطنية» بزعامة مارين لوبن يزدهر ويتقدم في جميع العمليات الانتخابية ليصبح في طليعة القوى السياسية الفرنسية، هذا إذا لم يكن في طليعتها بالفعل اليوم.
ذلك «الازدهار والتقدّم» هو على خلفية عدم تمكّن المجتمع الفرنسي وقادته السياسيون تعزيز الوحدة الوطنية في «إطار احترام التعددية» التي يتسم فيها هذا المجتمع. بل يتم التأكيد أن فرنسا «لم تنته بعد من ماضيها الاستعماري» الذي لا يزال «حاضرا في المخيّلة»، ولا يزال أيضا يشكّل «المرتكز» الذي قام حزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرّف، على أساسه ولا يزال يتغذّى منه.
من الأفكار الأساسية التي تتردد في هذا الكتاب أنه على «قاعدة الفشل في تعزيز الوحدة الوطنية في إطار احترام التعددية» ركّز اليمين المتطرّف «خطابه» على جعل «المهاجرين»، وخاصّة المسلمين منهم، بمثابة «المشكلة» الأكبر التي تهدد الهوية الوطنية الفرنسية.
والسؤال الأهم الذي يطرحه المؤلفان عبر حوارهما هو البحث عن السبل التي يمكن أن تسمح بمواجهة «خطاب كره الآخر» الذي يتم اعتباره أحد أسباب تفشّي العنف في الفترة الأخيرة.
كذلك يتم التأكيد بأشكال مختلفة أنه لا بدّ من مواجهة الحقائق التاريخية للوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر والتعرّف على تلك الحقبة ونقاشها من كل جوانبها ونقل ذلك كلّه للأجيال اللاحقة. ذلك على خلفية التأكيد على قناعة مفادها أن «فهم» أيّة مشكلة هو «نصف الطريق إلى حلّها»، والأشياء والذكريات «المكبوتة» تزيد من تعقيد أيّة مشكلة.
نقرأ: «إن ذلك التاريخ الذي عرفته فرنسا في جنوب البحر الأبيض المتوسّط لم يتم دمجه بشكل حقيقي في التاريخ الداخلي ــ الوطني ــ الفرنسي. وإذا لم نقم بعملية دمج ماضينا في رؤية شاملة لتاريخنا فإن مستقبلنا سيبقى أمراً مثيراً للشكوك».
ومن النواقص التي يؤكّد عليها، ويحذّر منها، المؤلفان عملية «اختزال التاريخ الفرنسي في الجزائر» على الحرب التي شهدتها منذ عام 1954 وحتى الاستقلال عام 1962. ذلك أن تاريخ فرنسا في الجزائر بدأ مع احتلالها عام 1830. والإشارة أن هذا التاريخ الطويل «يتم طمسه إلى حد كبير». ذلك حتى على الأصعدة الأدبية والفنيّة بمختلف مشاربها، كما يؤكّد المؤلفان.
ما يركزان عليه بالمقابل وعلى ضرورة الشروع به هو نوع من «توسيع الرؤية التاريخية» والابتعاد عن الانتقائية في سرد التاريخ. هذا خاصّة أن المجتمع الفرنسي يعرف في السياق الراهن..
كما يشرحان، حالة من «الانكفاء والانطواء بشكل غير مسبوق فيما يتعلّق بالتعامل مع الذاكرة وما يأخذ شكلا من أشكال التصنيف الفئوي،الحصري، للذاكرة»، وهذا بالتحديد ما يقصدانه بـ «الذاكرات الخطيرة»، كما جاء في عنوان هذا العمل.
والتأكيد في نفس السياق أن الانكفاء ضمن مثل هذه الذاكرة يترتب عليه بالضرورة أن «تنكفيء مختلف المجموعات التي يتكوّن منها المجتمع على نفسها وتنأى عن المطالبة بالاندماج في التاريخ العام للمجتمع الذي تعيش فيه». بل تغدو المنافسة بالأحرى حول مدى تمسّك كل مجموعة بـ «ذاكرتها التاريخية» الخاصّة بها
بعيدا عن «ذاكرة» المجموعات الأخرى. وهذا يعني أن يخاطرالمجتمع الفرنسي بـ «نقص التفاعل والتمازج» بين مختلف«الذاكرات» التي يتشكل منها نسيجه التاريخي.
وفي محصّلة التحليلات المقدّمة حول الذاكرة يتم التأكيد على أن فرنسا تواجه اليوم نوعا من العنف الذي يجد جزئيا بعض جذوره في «التاريخ الجزائري ــ الفرنسي»عموما وفي «الحرب الجزائرية ــ الفرنسية» خصوصا، وأنه ينبغي بالتالي على ضوء هذا الواقع فهم «التقلّصات» التي تفعل فعلها لدى بعض قطاعات المجتمع الفرنسي.
وما يتم التأكيد عليه في تحليلات هذا الكتاب أنه لا تزال هناك «ثغرة كبيرة» يمكن لهذا الخطاب أن يتسلل منها وهي أنه رغم الأبحاث الكثيرة التي قام بها المؤرّخون في سياق ما بعد الحقبة الاستعمارية فإن «المجتمع الفرنسي لم يتمثّل ذاكرة الحقبة الاستعمارية»، حسب التحليلات المقدّمة.

