تتعاظم الأسئلة في العالم الغربي اليوم بشأن النموذج «الموديل»، الذي ينبغي انتهاجه من أجل الوصول إلى نمو اقتصادي «يحقق الأمان» في منظور المستقبل الذي لا يبدو واضح المعالم «اقتصادياً».
هذا في سياق ما بعد حقبة طويلة عرفها هذا العالم منذ الثورة الصناعية وعرفت إحدى مراحل ازدهارها الكبرى في العقود الثلاثة المعروفة بتسمية «الثلاثينيات المجيدة» بعد الحرب العالمية الثانية والتي يتم تحديدها عموماً خلال سنوات 1945 ــ 1975.
وفي كتابه الأخير يقوم «دانييل كوهن، مدير القسم الاقتصادي في مدرسة المعلّمين العليا العريقة في باريس وأحد أعضاء مجلس الرقابة في صحيفة «لوموند» الفرنسية ومؤلف عدد كبير من الكتب، يقوم بتحليل ما يسميه «النموذج الاقتصادي الحديث» في المجتمعات الغربية، ويناقش بناء على ذلك احتمالات المستقبل. وبالتحديد على ضوء مفهوم «النمو الاقتصادي».
يحمل الكتاب عنوان «العالم مغلق والرغبة لا نهائية». وهذا العنوان يذكّر بكتاب صدر في فرنسا في أوائل عقد الستينيات الماضي تحت عنوان: «من العالم المغلق إلى الكون المفتوح» لمؤلفه مؤرّخ العلوم «الكسندر كوارييه»، الذي يرى أن العالم انفتح على الأفق الواسع في القرن السابع بفضل الثورة الصناعية الأولى، بينما انغلق اليوم ..
كما يشرح الاقتصادي الفرنسي «دانييل كوهن». الفكرة الأساسية «المسلّمة» الأولى التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته مفادها أن منظور تحقيق نمو اقتصادي مستدام قد تلاشى إلى حد كبير بالنسبة للبلدان الغربية الحديثة في السياق العالمي الراهن. ويشرح أن البلدان الصناعية الغربية المتقدّمة التي زرعت لدى مجتمعها فكرة «النمو الاقتصادي المستدام» دفعت به نحو «اليأس مع تلاشي ذلك الأمل المتعلّق بالنمو».
والتأكيد في هذا السياق على القول بأشكال مختلفة أن المجتمعات الغربية الرأسمالية التي يتم توصيفها بـ«الديمقراطية» قامت على أساس «وعد بتحقيق النمو الاقتصادي إلى ما لا نهاية». ويذكّر المؤلف أن الحلم الكبير لـ«هنري فورد»، صاحب شركة فورد لصناعة السيارات، كان، أي الحلم، أن يستطيع كل فرد القول: «أملك سيّارة أو سوف أملكها».
ولا يتردد المؤلف في أن يكتب أن «النمو الاقتصادي هو عقيدة العالم الحديث». وعلى أساس مثل هذا الاعتقاد تتكوّن فكرة خاطئة عن «وعد التقدم إلى ما لا نهاية». وبالمقابل، وعلى خلفية أن ذلك لم يعد يعبّر عن الواقع وأن «النمو الاقتصادي المادي ينأى أكثر فأكثر» غدا البشر يميلون أكثر فأكثر أيضا إلى البحث عن «السعادة غير الماديّة»، كما نقرأ..
وكنوع من البحث عن مخرج، يحاول تقديم ما يمكن اعتباره الحل، برأيه، عبر «تعلّم التعايش مع عالم بدون نمو اقتصادي». بل ويؤكّد أنه لا بدّ من تعلّم ذلك و«التقدّم رغم ذلك». ويشرح أنه بدلاً من اللحاق باستمرار بأمل «العودة المستحيلة للنمو الاقتصادي المستدام ينبغي البحث عن إعادة اختراع نموذج»موديل«اجتماعي يحقق قدراً أكبر من الحماية للمجتمعات المعنيّة فيه»، رغم وجود نمو اقتصادي متأرجح إلى هذا الحد أو ذاك.
ومن الأفكار التي يقترحها المؤلف هو أن «يعود للدولة المانحة دورها» في تأمين الأمن والأمان المعيشي لمواطنيها. ذلك بحيث تكون مهمتها الأساسية هي السماح لمجتمعها النجاة من «سيف البطالة» المسلّط على الرؤوس في الغالبية العظمى من بلدان العالم الغربي الرأسمالي في السياق الراهن.
من هنا يتم التأكيد في التحليلات والاقتراحات المقدّمة بضرورة التوجّه نحو «عالم لا يكون فقدان الإنسان للعمل الذي يشغله كارثة كبيرة». النموذج القائم اليوم في أرض الواقع الذي يتبنّاه المؤلف لمثل «الدولة المانحة المرجوّة» يجده في الدانمارك التي تمتلك نظام حماية فعّال لمكافحة آفة البطالة.
والشق الآخر الذي يؤكّده هو أنه ينبغي على الساسة الغربيين أن «يتخلّصوا من الأوهام» وأن يدركوا هم أيضا الواقع الجديد. وهذا الواقع يستدعي منهم أن يثبتوا جدارتهم في تصوّر كيفية بناء «مجتمع متماسك» على الرغم من «النمو المتواضع»، إذا كان هناك نمو. هذا بمعنى أن «المحرّك الرئيس» للنموذج المجتمعي المطلوب «لن يكون النمو الاقتصادي» في الواقع القائم.
ويحدد المؤلف القول أنه لا يقول بالغياب الكامل لـ«النمو الاقتصادي». ولكنه يؤكّد أن«النمو الاقتصادي» لم يستطع أن يواكب بنفس الإيقاع، أو«لم يواكب سوى قليل»، الثورة الرقمية وما أنتجته من تكنولوجيات غيّرت الكثير من قواعد «اللعبة الاقتصادية».
يتم في هذا السياق الاعتماد على العديد من الشواهد من الواقع القائم في البلدان الغربية المعنية في نفس الفترة الزمنيّة التي عرفت فيها الثورة الرقمية أوج ازدهارها. هكذا يشير المؤلف أن بلادا مثل فرنسا «يتقهقر نموّها الاقتصادي منذ سنوات الثمانينيات المنصرمة حتى اليوم».
من الأفكار التي تتردد في أسباب مثل «الجمود» أن «الثورة الرقمية» ليست، من حيث آليات عمل تكنولوجياتها ومن حيث ما رافقها من نمو اقتصادي كبير، من نفس طبيعة الثورة الصناعية السابقة التي كان عمادها المحرّك الانفجاري واختراع الكهرباء وغيرهما.
وفي الخلاصة، فإن ما يؤكّده المؤلف بأشكال مختلفة، أن الباحثين الاقتصاديين فهموا منذ سنوات أنه ينبغي التوقف عن ترديد «أسطورة عودة النمو الاقتصادي». ذلك أن مثل ذلك النمو «المستدام» غدا من متاع الماضي. يكتب المؤلف: «من الأفضل قبول أنه من المستحيل توقع ما سيكون عليه النمو الاقتصادي على المدى الطويل، بل وتوقعه على مدى عقد واحد من الزمن».
