تمثّل هيئة الأمم المتحدة المنظّمة الدولية الأكثر شهرة في عالم اليوم. وهي تمثل السلطة العليا فيما يتعلّق بإعطاء الشرعية الدولية لأي تحرّك تساهم فيه الدول الأعضاء في هذه المنظمّة باسم «القانون الدولي». وكانت هذه المنظّمة الأممية قد قامت في أعقاب الحرب العالمية الثانية بهدف إشاعة السلام في العالم.

لكن هيئة الأمم المتحدة القائمة اليوم لم تولد في واقع الأمر من فراغ. ذلك أنه سبقتها هيئة عالمية أخرى قامت في عام 1919، أي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وبإطار «معاهدة فرساي» وأخذت تسمية «عصبة الأمم».

«عصبة الأمم» تلك هي موضوع كتاب «سوزان بيدرسن»، الكندية المولد وأستاذة التاريخ في جامعة كولومبيا والأخصائية بتاريخ القرنين التاسع عشر والعشرين وبتاريخ المؤسسات الدولية، الذي يحمل عنواناً رئيسياً هو:«الحرّاس»، وعنواناً فرعياً مفاده «عصبة الأمم وأزمة الإمبراطورية».

وإذا كانت المؤلفة تعود إلى التأريخ لـ «عصبة الأمم» فذلك أن الفترة التي عاشتها ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية تركت الكثير من الآثار على الأوضاع القائمة في عالم اليوم. هكذا تشرح بالكثير من التفصيل الآليات التي سادت في ظل أنظمة «الانتداب» الموروثة من نتائج الحرب العالمية الأولى.

وكانت عصبة الأمم قد شكّلت «اللجنة الدائمة لأنظمة الانتداب» للبحث في سبل وطريقة التسيير الإداري في البلدان التي سيتم تطبيق «الانتداب» عليها. ذلك بالاعتماد على ميثاقها نفسه الذي نصّ أنه من مهمات «الدول المتقدّمة» العمل على قيادة «الشعوب التي لم تصبح بعد قادرة على قيادة نفسها في الظروف الخاصة القاسية في العالم الحديث»، ووصولا إلى اعتبار أن تطويرها يمثّل «مهمّة حضارية».

تشرح «سوزان بيدرسن» أن الترجمة العملية لذلك تمثّلت في أن كل الأنظمة «الانتداب» قامت على أساس واحد هو أن يتم تقسيم البلدان غير الأوروبية «المهزومة» بين الحلفاء «الرابحين». يتم التركيز في هذا السياق على القول إن أنظمة الانتداب، التي عرفتها بلدان عديدة في الشرق الأوسط وإفريقيا ومنطقة المحيط الهادي ــ الباسيفيكي، «نسجت علاقات» بقيت أصداؤها ماثلة في العلاقات الدولية حتى اليوم.

وتشير المؤلفة إلى أنه في عام 1919 أظهر المنتصرون، من الأوروبيين خاصّة، في الحرب العالمية الأولى أنهم «ينضوون» في إطار المنظور «المثالي والإنساني» الذي حدده الرئيس الأميركي آنذاك «وودرو ويلسون» في «بنوده الـ 14» الشهيرة.

وما كانت ترجمته في أرض الواقع تعني قبولهم بـ «إدارة المستعمرات الألمانية ومستعمرات الإمبراطورية العثمانية القديمة تحت رقابة عصبة الأمم». والإشارة في هذا السياق أنهم، أي الأوروبيين، كانوا يريدون في الواقع أن يكون ذلك في خدمة إمبراطورياتهم، كما تشرح المؤلفة.

بل والإشارة إلى أن «لجنة الانتداب»التابعة لـ «عصبة الأمم» ساهمت في تهديم «القوى الإمبراطورية» السابقة زمنيا على الحرب العالمية الأولى ودفعتها إلى خارج الفعل في التاريخ.

لكنها أشادت بالمقابل نوعا من الحكومة الإمبريالية وحددت مقرّها في جنيف وصاغت «نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه الدولة». وتشرح المؤلفة الدور الذي قام به أعضاؤها «الثمانية»، كما تتوقف عند الدور الهام الذي لعبه أولئك الذين تولوا رئاسة «عصبة الأمم».

ومن الأفكار التي تؤكّد المؤلفة ــ المؤرّخة انطلاقا منها وتأسيسا عليها أهمية «عصبة الأمم» أنها كانت «التجربة الأولى الكبرى لقيام نوع من الحكومة العالمية». هذا رغم أنها فشلت في تحقيق الهدف الأكبر الذي قامت من أجله وهو «منع نشوب الحروب»، خاصّة في القارّة الأوروبية حيث انطلقت بالتحديد شرارة الحرب العالمية الثانية. ذلك الفشل لم يكن، كما تشير المؤلفة، بعيدا عن إهمال الباحثين والمؤرخين للدور الذي لعبته عصبة الأمم.