هناك قاعدة مهمّة يرددها الأهل لأبنائهم في المنازل والمعلّمين لتلامذتهم في المدارس، وأرباب العمل للعاملين في مؤسساتهم والكبار للصغار، وهي قاعدة يمكن اختصارها بطلب «التفكير قبل الشروع بالفعل». ومثل هذا التفكير يتطلب أوّلاً وأساساً المعرفة الجيدة بالموضوع المعني وبرهاناته على مختلف المستويات من أجل اتخاذ القرارات. والأمر يغدو أكثر جديّة وخطورة عندما يكون الأمر يتعلّق بمستقبل مسائل حيوية بالنسبة لمستقبل البشرية.
إن الرهانات المستقبلية الأساسية المطروحة على الغرب اليوم يحددها جان مارك جانكوفتشي، المستشار الاقتصادي والأستاذ الجامعي ومؤسس «مجموعة الكربون ــ 4»، في رهانين مركزيين هما: «المناخ» و«الطاقة». هذا ما يشرحه في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «ناموا بهدوء حتى عام 2100».
يبدأ جان مارك جانكوفتشي، بتقديم العديد من المؤشرات التي تدل بمجملها على أن البلدان الغربية اليوم تطرح على نفسها الكثير من الأسئلة حول بروز العديد من الظواهر التي تعتبرها مصدر تهديد لها في المستقبل غير البعيد. وفي مقدّمة هذه الظواهر تصاعد قوّة اليمين المتطرّف وتعاظم موجات الهجرة باتجاه أوروبا والغرب عموماً، وزيادة عدد العاطلين عن العمل وإفلاس العديد من البنوك الكبرى وموجات تتكرر من العنف.
كما يبيّن «حدود النمو الاقتصادي» بالطرق السائدة اليوم، بما في ذلك الاعتماد على ما تتم تسميته بـ«النمو الاقتصادي الأخضر» القائم على أساس التعويض عن مصادر الطاقة الحالية التي تشكّل عصب الحياة الاقتصادي بـ«مصادر الطاقة المتجددة»، حسب الكثير من الدعوات اليوم.
ويشرح المؤلف أن الانحياز الكبير لـ«النموذج ــ الموديل ــ الألماني» فيما يتعلّق بالطاقة ليس مبرراً بما يكفي. ذلك على أساس أن السياسة الألمانية في مجال الطاقة بالاعتماد على المزروعات، وعلى رأسها الذرة، لا يمكنها أن تكون سوى «رديف» لمصادر الطاقة التقليدية الحالية وليست «بديلة» لها. وبالتالي لا يمكنها أن تحلّ مشكلة الطاقة في أفق ما بعد حقبة الطاقة الحالية.
