لا شك أن لعبة كرة القدم هي الرياضة الأكثر جماهيرية في العالم اليوم. ولا شك أن لاعبيها المشاهير، لهم أفواج من المعجبين بهم، بل وتفوق شهرتهم نجوم السينما، وأكثر القادة السياسيين في العالم. ويكفي للتعرّف إلى «الشعبية» التي تحظى فيها هذه اللعبة، ملاحظة أن عشرات وعشرات الملايين من المشاهدين، يلاحقون مبارياتها وبطولاتها على شاشات التلفزة في جميع مناطق العالم.

لكن من الجوانب التي قد تثير الدهشة، أن هذه اللعبة لها جمهورها العريض بين المثقفين، الذين اهتمّ العديد منهم بها قبل «الموجة الأخيرة»، التي جعلتها من أكثر المظاهر انتشاراً. ثم هناك من أرادوا منهم أن يعطوا للعبة وجهاً ثقافياً بأشكال وطرق مختلفة. وهكذا شكّلت موضوع سلسلة طويلة من الكتب «البعيدة جداً» عن الرياضة وعن عالمها.

من بين هذه الكتب، عمل صدر مؤخّراً في فرنسا، يحمل عنوان «كرة القدم» لمؤلفه جان فيليب توسّان، الروائي البلجيكي الشهير وعضو الأكاديمية الملكية للغة والأدب الفرنسيين في بلجيكا، والحائز على عدّة جوائز أدبية. تجدر الإشارة إلى أن هذا الروائي كان قد قدّم في عام 2006، كتاباً عن نجم كرة القدم الفرنسي زين الدين زيدان، تحت عنوان «كآبة زيدان». وقدّم زيدان فيه كـ «فنّان»، دفعته أحاسيسه للقيام بـ «ضربة الرأس» الشهيرة للاعب إيطالي في نهائي مباريات بطولة كرة القدم في ألمانيا.

«كرة القدم»، ليس كتاباً في الرياضة أو في تقنيات اللعبة وقوانينها ومهاراتها. هذا ما يشير له المؤلف منذ السطور الأولى في المقدّمة، عندما يكتب: «هذا كتاب لن يروق لأحد. لن يعجب المثقفين الذين لا يهتمون عادة بكرة القدم، ولن يعجب هواة كرة القدم، حيث سيرون فيه كتاباً مغرقاً في الثقافة. لكنني وجدت نفسي مرغماً على تحرير هذا العمل، إذ إنني لا أريد قطع الخيط الذي لا يزال يربطني مع العالم».

ولا يتردد الروائي البلجيكي، جان فيليب توسّان، في مواجهة «التحدّي» وإنجاز كتاب «لن يروق لأحد». وهو يجمع في حديثه عن كرة القدم، ذكريات طفولته التي نسجت نوعاً من العلاقة «الحـــميمة» بينه وبينها، ويشرح كيف أن تلك العلاقة هي التي دفعته في ما بعد إلى الملاعب، أو إلى البقاء ساعات مشدوداً إلى شاشة التلفزيون لمشاهدة المباريات الكبرى.

ويقدّم المؤلف، عبر العديد من المقاطع، السمات الخاصّة التي تتسم فيها كرة القدم و«مواطن الجذب فيها». ويعرب فيه عن حبّه لتلك الفرق التي يرتدي لاعبوها باستمرار اللباس الرياضي الذي عرف شهرتها. ويعرب عن إعجابه الشديد، من موقع المتفرّج، بـ «الشياطين الحمر» البلجيكيين، وكيف أنه حمل القبّعة التي تدل على تشجيعهم حتى اليابان، عندما حضر كأس العالم عام 2002. لكنه يشجب بالوقت نفسه، ما يسميه «التعصّب القومي»، و«رفع قبّعات وليس مفاهيم وقيم والصفير في المدرّجات والتسلّي بالتهام البوب كورن».

ويكتب المـــؤلف: «تمتزج كرة القدم مع الزمن الـذي يمر، وتسكنه إلى درجة أنهـــا تحــمل لنا، ونحن نشاهدها، نوعاً من الهناء الداخلي، الذي ينسينا آلامـــنا، ويبعد عنّا التفكير بالموت».

ويرى المؤلف ــ الروائي، أن مشاهدة مـباريات كرة القدم، تجعل الكثير من البـــشر يلجـــون بفضلها إلى «عالم مجرّد ومثير للطمأنينة».

وفي المحصّلة، لا يكتب المؤلف عمّا يجري «رياضياً» على أرض ملاعب كرة القدم بالدقّة. لكنه يكتب عن «الرابـــطة الحميمة» التي تقوم بين عالم كرة القدم وبين«الزمن الذي يسري فـــي أعماقنا». بهذا المعنى، ينظر إلى كرة القدم، على أنها بمثابة «الخيط الذي يربطه مع العالم»، كما أشار في تبريره لتأليف كتاب عن هذه اللعبة.