لعلّ من أكثر المواضيع التي يتردد الحديث عنها في وسائل الإعلام ويتم تخصيص الدراسات والكتب لها تلك التي تتعلّق بالصحّة العامة وخاصّة من زاوية العلاقة بينها وبين الأنظمة الغذائية. ومن الأفكار الشائعة المعروفة أن العادات الغذائية السيئة هي السبب في العديد من الظواهر الصحيّة المقلقة مثل البدانة المفرطة. هذه العلاقة بين «التغذية والصحّة» غدت أيضاً أحد المواضيع التي يوليها المؤرخون والباحثون والأخصائيون في المجتمعات المعنية بها الكثير من الاهتمام.
وفي هذا الإطار يقدّم «ديفيد جينتلكور»، الأستاذ في جامعة ليستر بالمملكة المتحدة، بريطانيا، كتاباً تحت عنوان «التغذية والصحّة في أوروبا الحديثة» والذي يؤرّخ فيه، من جهة، لـ «العادات والممارسات الغذائية في أوروبا» خلال بدايات تاريخها الحديث ـ ومن جهة أخرى لـ «الخطاب الطبّي» حول تلك الممارسات والعادات.
وبالوقت نفسه تتم دراسة تطوّر الخطاب الطبي والممارسات الغذائية بالتوازي مع تطور المجتمعات. ذلك من خلال تطوير التعليمات الطبية والصحيّة بالنسبة لما ينبغي تناوله وما ينبغي تجنّبه من الأطعمة بهدف المحافظة على صحّة أفضل. هذا مع وضع المسائل المتعلّقة بالتغذية وبالصحّة والطب في سياقها التاريخي.
مثل هذا الربط يجد صداه في توزيع فصول الكتاب التي تبدأ بفصلين يخص الأوّل منهما «الغذاء الصحّي في عصر النهضة»، أي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر والثاني مكرّس لـ «الغذاء الصحّي في القرنين السابع عشر والثامن عشر». ثمّ تتالى الفصول عن «الأغذية الغنيّة» و«الأغذية السيئة» و«الأغذية حسب المناطق» و«الأغذية التي تعتمد على الخضار» و«التجديد الغذائي العالمي».
تجدر الإشارة أن «ديفيد جينتلكور» يربط في تحليلاته بهذا الكتاب بين مشربين، هما أنماط التغذية والخطاب الطبي. هذا في السياق التاريخي الأوروبي المحدد الذي عرف كمّاً كبيراً من الأدبيات في العصر الحديث حول هذين المشربين كل منهما على انفراد.
والإشارة أنه جرت العادة أن يتم الفصل بينهما من حيث دراسة مسارهما التاريخي. هذا ما يدل عليه الاهتمام بالعادات الغذائية وعلاقتها بالصحّة في العديد من البلدان الأوروبية من جنوب القارّة حتى جنوبها، حيث يجد القارئ عملية توصيف كاملة لأنماط التغذية لمختلف البلدان الأوروبية، هذا مع عرض العديد من الصور التوضيحية الخاصّة بالزراعات الغذائية على صعيد القارّة.
وفي جميع الحالات يبدو التأريخ للتغذية والصحّة في أوروبا بمثابة دراسة في التاريخ الاجتماعي والثقافي بالدرجة الأولى للقارّة الأوروبية خلال الفترة المدروسة. هذا ما تبرزه أيضاً المرجعيات والمصادر المتنوّعة التي يعتمد عليها المؤلف والتي تضم «الأعمال ذات الطابع الطبي» و«علوم النباتات وتصنيفاتها» و«الزراعة وتقنياتها».
هذا الكتاب يتميّز أيضاً أن مؤلفه يعتمد في تحليلاته المنظور الأوروبي العام بنوع من التأكيد على وجود «هويّة غذائية وصحيّة جامعة». لكنه بالوقت نفسه يؤكّد على وجود الكثير من التباينات والخلافات بين المناطق من جهة وبين المكوّنات الاجتماعية من جهة أخرى من حيث السلوكيات الغذائية ومن حيث التعامل مع الخطاب الطبي.
كتاب في التاريخ الاجتماعي والثقافي لأوروبا في بدايات العصر الحديث منذ أواسط القرن الخامس عشر ــ عصر النهضة ــ حتى بداية القرن التاسع عشر. وهو يلقي الكثير من الأضواء التي تساهم في فهم أعمق للكثير من مظاهر المجتمعات الأوروبية في الفترة الحالية.

