غزت الثورة الرقمية جميع ميادين النشاط الإنساني وغيّرت الكثير في عالم الصناعات وقلبت بشكل كبير المفاهيم الخاصّة بالعمل. هذا خاصّة أن العالم يعيش عصر انتصار الآلة التي أثبتت أنها قادرة على تنفيذ أغلبية الأعمال بسرعة تفوق كثيراً ما يتطلبه عمل الخبرة البشرية. من هنا يبرز السؤال عن آفاق المهن «التقليدية» في هذا العصر الرقمي، وفي هذا القرن الحادي والعشرين؟

الإجابة عن مثل هذا السؤال هي موضوع الكتاب الذي يقدمه «ريشارد سوسكيند»، الأستاذ في جامعة أكسفورد و«دانييل سوسكيند» أستاذ الاقتصاد والباحث السابق في جامعة هارفارد كينيدي.

ويكرس المؤلفان «الأب والابن» عملهما المشترك للبحث عن «مستقبل المهن»، كما جاء في العنوان، ويحاولان فيه شرح كيف ستغير التكنولوجيا الحديثة، الرقمية، دور النخب البشرية في مجال العمل.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية. يخص الأول منها «أشكال التبدّل» التي سيعرفها عالم المهن. وما يتم شرحه في ثلاثة فصول تحمل عناوين «الصفقة الكبرى» و«من الطليعة» و«شركاء إلى جانب المهن». ويحمل القسم الثاني عنوان «الجانب النظري» ويتألف من فصلين يناقشان مسائل «المعلومات والتكنولوجيا» و«إنتاج المعرفة وتوزيعها». أمّا القسم الثالث والأخير فيخص «التطبيقات»، مع فصلين يحمل الأول منهما عنوان «اعتراضات ومصادر قلق» والثاني «ما بعد المهن».

وفي قراءتهما لمستقبل المهن يؤكّد المؤلفان على فكرة أساسية، مفادها أن هذه المهن التي شاع عنها طويلاً توصيف تردد كثيراً مفاده أنها «نشاطات ثابتة في عصر مضطرب» هي تواجه اليوم تحدّي التجديد التكنولوجي و«سوف تتقهقر». وهما يقومان بالتحديد في تقديم ما يعتبرانه «المواصفات»التي سوف تتوفر في «البدائل». وشرح أن هذه البدائل مرتبطة بشكل وثيق مع مفهوم «التجديد التكنولوجي».

كذلك يشرح المؤلفان أنه سيتم نوع من التقسيم بين تلك المهمات والأعمال التي يمكن للآلات أن تقوم بها وتلك التي سوف تبقى مناطة بالعمل الإنساني. ومما يتم شرحه في هذا الكتاب أنه سوف يكون ممكناً، بالاعتماد على «الآلات الذكيّة»، تنفيذ «تحوّل كبير» ينقل «الخبرات المكتسبة على مدى قرون من الإنسان إلى الآلة». هذا في منظور وضع مسار التحوّل في خدمة المجتمع بكثير من الشفافية، كما يتردد.

ويشرح المؤلفان أن مثل هذا التحوّل من استخدام البشر إلى الاعتماد في أغلبية المهن المعروفة على الآلة سوف يطرح بالضرورة الكثير من الأسئلة والإشكاليات ذات الطابع الأخلاقي والمعاشي وعموماً الاجتماعي. والسؤال: ما هي المهن التي سوف تبقى، أو ينبغي أن تبقى، بيد البشر وبعيداً إلى هذه الدرجة أو تلك عن سيطرة الآلة؟

يكمن أحد وجوه الإجابة التي يتم تقديمها في هذا الكتاب في التأكيد أنه في ظل التقدّم التكنولوجي الرقمي سوف لن تستمر العديد من المهن «التقليدية» في هذا القرن الحادي والعشرين. ذلك على أساس أن «مهننا الحالية غدت قديمة وبالية وأن أفضل الخبرات التي تقدّمها أفضل هذه المهن لن يتم النظر لها على أساس أنها ذات قيمة كبيرة سوى من قبل قلّة قليلة من البشر»، كما نقرأ.

ومن التقديرات التي يقدّمها المؤلفان في منظور المستقبل غير البعيد أن «نسبة 5 بالمئة من المهن الحالية سوف تغدو مرتبطة بالآلات ــ الروبوت وغيرها ــ كما أن حوالي 60 بالمئة من المهن قد تعهد بنسبة 30 بالمئة أو أكثر من نشاطاتها إلى الآلة.

ونسبة مهمة أيضاً من النشاطات المهنية في مجالات الطب والمال والكوادر العليا قد تستولي عليها التكنولوجيا». ومن النتائج التي يصل لها المؤلفان هي أن التكنولوجيا الرقمية وثورة المعلوماتية دفعتا نحو سير مسافة من الطريق نحو «تفكيك المهن التقليدية».

في المحصّلة العامّة يؤكّد مؤلفا هذا الكتاب أن «المهن» ستشهد في ربع القرن المقبل قدراً من التبدّل يفوق ما كانت قد عرفته خلال القرون الثلاثة المنصرمة.

والإشارة إلى أن هناك «مشارب مهنية ثانوية سوف تظهر مثل تلك التي يطلقان عليها توصيف «مهندسي المعرفة» الذين سوف يصممون برمجيات المعرفة المهنية. ل

كن يبقى التساؤل الكبير الذي يطرحه المؤلفان في النهاية حول إذا كانت عملية التبدّل الجارية على صعيد المهن سوف تتم دون تهديد «استقرار» المجتمعات المعنيّة بها.