يتفق الجميع اليوم أن الصين هي على رأس هرم البلدان الصاعدة، وأنها غدت منذ سنوات في المرتبة العالمية الثانية على الصعيد الاقتصادي. ويرى كُثر أنها تزاحم بقوّة الولايات المتحدة الأميركية على مرتبة الصدارة.
لكن أين موقعها اليوم على صعيد السياسة الدولية، وما هو الدور الذي تطمح أن تلعبه بالنسبة للقضايا الدولية؟.
الإجابة عن مثل هذا السؤال هي موضوع كتاب «جان بيير كابستان»، مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والأستاذ الجامعي في هونغ كونغ، الذي يحمل عنواناً رئيسياً مفاده «السياسة الخارجية الصينية: بين الاندماج وإرادة القوّة».
المسلّمة التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته هي أن «للصين مطامحها». ذلك على خلفية الصعود الاقتصادي الهائل الذي حققته خلال العقود الثلاثة الأخيرة وواقع أنها غدت قوّة أساسية في عالم العولمة.
ويحدد القول منذ البداية أنها لا تضع في مقدّمة اهتماماتها منافسة الولايات المتحدة الأميركية على الريادة الاقتصادية فحسب، ولكنها تتطلّع بالتأكيد إلى «إجراء تغييرات جوهرية في قواعد النظام الدولي القائم ــ الذي همّش دورها ــ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في عام 1945».
لكن هل تمتلك الصين أدوات ووسائل تحقيق طموحاتها؟، يسأل «جان بيير كابستان»؟.
وهو يحاول الإجابة عن هذا السؤال أيضاً في القسمين اللذين يتألف منهما هذا العمل. وهو يكرّس الأول منهما للبحث في مسائل «الإعداد التدريجي الصيني لسياسة دولية ــ خارجية وسياسة أمنية». ويركّز في هذا الإطار على مجموعة من الأفكار التي تتردد في الشرح المقدّم..
حيث تتعلق بـ «كيفية خروج الصين من عزلتها الدولية»، وتحديد أن الهدف هو «صياغة سياسة دولية صينية جديدة تتمتع بدرجة عالية من الانسجام بحثاً عن تأكيد القوّة». وعلى ضوء ذلك البحث في «التوجهات الراهنة لصياغة سياسية أمنية صينية». هذه الأفكار تمثّل في الواقع محاور فصول القسم الأول من الكتاب.
ويحمل القسم الثاني عنوان: «العلاقات بين الصين وشركائها الرئيسيين». وتتم دراسة هذه العلاقات في ثلاثة فصول يخص الأول منها «الصين والولايات المتحدة: بين التناقض والتوافق» وحيث تمثل أميركا «النموذج والقوّة المنافسة» بالوقت ذاته. ويدرس الفصل الثاني «الصين واليابان جاران كبيران ومنافسان كبيران».
أمّا الفصل الثالث والأخير فهو مكرّس لـ:«الصين وروسيا وآسيا الوسطى: بين إغراء إنشاء منطقة أوروبية ــ آسيوية (اوراسيا) واستمرار المنافسات الإمبريالية» وهنا يبرز «التحالف الصيني ــ الروسي».
ولا يغفل المؤلف تبيان طبيعة الركائز الاساسية في الحياة السياسية والاجتماعية في الصين، مستعرضا اسس قاعدة الاقتصاد القوية، وطبيعة وأشكال الصناعات والموارد والامكانات الطبيعية والبشرية .. وايضا القوى العاملة والعقول العلمية فيها. إلا أنه يجد الكثير من المعوقات التي تحول دون تخطي حاجز مهم يمنع تحليقها بعيدا عن المنافسين، وتتلخص في جوهره بالكثير من التقاليد المجتمعية المكبلة.
وفي المحصّلة العامة يرى مؤلف هذا الكتاب أن «أحلام القوّة» واحتلال موقع «قوّة عظمى عالمية» تدغدغ مخيلة القادة الصينيين في أفق أواسط القرن الحالي. لكن هل تستطيع تحقيق ذلك؟.
إن مؤلف هذا الكتاب يبدي شكوكه. ويحدد الأسباب الجوهرية في ذلك باستمرار وجود نظام سياسي تسلّطي ومغرق في نزعته القومية ومناهض للغرب و«أكثر فأكثر تعالياً». هذه الأمور كلّها سوف تحدّ، كما يشرح المؤلف، من «اندماج الصين» في المجموعة الدولية. ثمّ تأكيد أن الصين قد تواجه اضطرابات داخلية على خلفية «عدم الاستقرار الاجتماعي».

