تزامنت الأحداث المأساوية الكبرى التي عرفتها بعض البلدان العربية وخاصّة سورية والعراق وما رافق ذلك من غياب للاستقرار وتعاظم درجة الدمار. وبرزت في هذا الإطار تلك الموجات من المهاجرين من السواحل الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط باتجاه شواطئ أوربا وشماله بحثا عن ملاذات أكثر أمنا.

هؤلاء المهاجرون هم بالتحديد موضوع كتاب الصحفي «جان بول ماري»، المراسل الحربي لمجلّة «نوفيل اوبسرفاتور»، الذي نال جائزة «البير لوندر» الشهيرة للصحافة. وقد اختار لهذا العمل عنوان «المراكب الثملة».

تجدر الإشارة إلى أن العنوان مأخوذ من قصيدة شهيرة كان الشاعر الفرنسي «ارتور رامبو» قد كتبها عام 1871 تحت عنوان «المركب ــ القارب الثمل»، بصيغة المفرد. كما إن العنوان الفرعي للكتاب «أوديسة المهاجرين في البحر الأبيض المتوسّط» يعيد إلى الذاكرة النص الشهير الذي حمل عنوان «الأوديسة» لـ «هوميروس».

أمضى «جان بول ماري» ثلاثين سنة من حياته في «تغطية» النزاعات والحروب في مختلف مناطق العالم. وعرف عن قرب الحياة في مخيمات اللاجئين والمناطق الحدودية والضواحي الفقيرة للمدن ومختلف أماكن تواجد أولئك الذين عاشوا ظروف حياة «هشة».

وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون قد التقى بنماذج بشرية متنوّعة من أولئك الذين كانت بلدانهم ومناطقهم مسارح تلك النزاعات. نماذج من البشر شملت مهاجرين ولاجئين وطالبي للجوء ومرشحين لخوض مغامرة المجهول. وهو يقدّم في هذا الكتاب «شهادته» المثيرة للمشاعر عمّا رآه وخبره.

تجدر الإشارة إلى أن مؤلف هذا الكتاب «يهديه» لذلك الفتى الإرتيري «روبييل» الذي «اجتاز الصحراء الإفريقية سيرا على الأقدام واجتاز البحر الأبيض المتوسط إلى لامبيديزا ـ الإيطلية ــ ثم قطع أوروبا من جنوبها إلى شمالها كي يموت في مدينة كاليه، المرفأ الفرنسي على بحر المانش، على بعد 100 متر من مركب صغير كان سينقله إلى شواطئ بريطانياــ مقصده».

ومما يشرحه المؤلف أنه الأسوأ من أن يكون المرء مهاجرا هو أن يكون «مهاجرا أسود البشرة». ويستعرض المؤلف على مدى العديد من الصفحات أصناف المعاملة السيئة التي يلقاها المهاجرون في مختلف مراحل مغامرتهم وحيث يصل الأمر أحيانا إلى الإتجار بالبشر.

هؤلاء المهاجرون، كما يصفهم المؤلف، يغدون ليسوا «أكثر من أرقام» أو مجموعة من الأجساد الطافية على سطح مياه البحر المتوسط أو جثث لمجهولين «لفظتهم الأمواج». هذا وعندما يصلون إلى الشاطئ الآخر يفقدون حتى «هويتهم» كأفراد ينتمون إلى مجتمع.

ويشير إلى أن أوروبا تبدو أحيانا وكأنها تكتشف اليوم هذه الموجات من البشر الباحثين عن ملجأ وربما عن «وطن جديد». هكذا مثلا في «لامبيدوزا» الإيطالية اقترح بعض الأهالي إنشاء «متحف للمهاجرين» بحيث يضمّ ما خلّفوه من أشياء عثر عليها على الشاطئ أو في «الأكواخ» التي أمضوا فيها بعض الوقت.

وقرر رئيس بلدية قرية «اكوافورموزا» بالقرب من مدينة «كالابرا» استقبال لاجئين في قريته لإنقاذها من خطر الهجرة الريفية ومن «موتها المعلن». وشرح جيوفاني ــ اسم رئيس البلدية المعني ــ أن ذلك «يكلّف أوروبا 20 يورو في اليوم لكل لاجئ، أي أقل بثلاثة أضعاف من وجود اللاجئ في معسكر للاعتقال».