يطلقون على الرأسمالية بنسختها السائدة اليوم في ظل العولمة واقتصاد السوق توصيف «الرأسمالية المالية». ولا يتردد الكثير من الباحثين الاقتصاديين في مختلف أنحاء العالم بتحميل هذه الرأسمالية المالية مسؤولية الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 من الولايات المتحدة الأميركية الـــتي كانت وراء ملايين الضحايا وكادت أن تؤدّي إلى انهيار الاقتصاد العالمي.
مثل هذه الآراء لا تجد أذناً صاغية، بل ولا تمتلك أيّة مصداقية من وجهة نظر «اندرو بالمر»، الصحافي الاقتصادي العامل في مجلة «الايكونوميست». ذلك أنه يعلن عن قناعته الحاسمة بأنه يمكن للمال أن يكون «قوّة تحمل الخير» للأفراد والمجتمعات بشرط أن يكون «ذكيّاً».
و«المال الذكي» هو عنوان كتابه الأخير الذي يشرح فيه كيف «يعيد المال صياغة العالم»، كما يدل عنوانه الفرعي.
يشير المؤلف في البداية إلى أنه بعد مرور سبع سنوات على انطلاق الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لا تزال أشكال النقد الحاد المطالبة بإنزال «أصنام النظام المالي المزيفين» عن المكانة التي سمحت لهم بخرق جميع القواعد الاقتصادية من أجل جمع أكبر قدر ممكن من المال.
وبالتــــوازي تعالت الأصوات بضرورة إيجاد «قواعد للضبط المالي». كما شاع في السياق نفسه النظر إلى جميع أفكار «التجديد المالي» الجديدة على اعتبار أنها تنضوي على مشاريع تثير الشبهات وتتطلب الكثير من التحقق من جدواها قبل أخذها على محمل الجدّ وإخضاعها للنقاش المسؤول.
وتنبيه المؤلف إلى أن الآثار التي تركتها الأزمة المالية والاقتصادية العميقة جعلت من الصعوبة بمكان رؤية مجموعة الجوانب الإيجابية التي كانت من ثمرات تطوّر أنماط استخدام المال في ميادين عدّة.
ومن بينها اعتماد سياسة اللجوء إلى القروض بالنسبة للشركات أو تمويل أعمال المشاريع، أو المساهمة في مجال تأسيس صنـــاديق التقاعد وما قدّمت من حماية للعاملين في وقت حاجتهم إلى ذلك مع تقدّم العمر أو في ميدان الهبات المــــالية التي يتم تقديمها لمختلف الأعمال الخيرية.
وفي محصّلة التعرّض طويلاً لتلك الأزمة المالية والاقتصادية العالمية لا يصل المؤلف إلى النتائج نفسها من حيث الجهة التي يحمّلها مسؤولية نشوبها.
وفي الوقت الذي يوجّه أغلبية المحللين والباحثين أصابع الاتهام لما يسمونه عموماً «انحرافات الرأسمالية المالية»، وألعاب البورصات والمجـــموعات المالية العالمية الكبرى يبتعد اندرو بالمر عن «إدانة التجديد المالي» مؤكّداً في الوقت نفسه أن «مسؤولية الأزمة تقع بالأحرى على عاتق نقص القدرة الإبداعية في مجال التمويل العقاري».
وفي الإجمال يرى المؤلف أنه ينبغي الربط باستمرار بين «التجديد في المجال المالي» و«الاحتياجات المختلفة للأشخاص والمؤسسات» كي يتم جني أفضل النتائج من «المال الذكي» القادر على «إعادة صياغة العالم»، كما يشرح المؤلف «بكثير من التفاؤل» على مدى الثلاثمائة صفحة التي يتألف منها الكتاب.

