غزت الثورة الرقمية جميع ميادين النشاط الإنساني، وغيّرت الكثير في عالم الصناعات، وقلبت بشكل كبير المفاهيم الخاصة بالعمل. هذا خاصة أن العالم يعيش عصر انتصار الآلة، التي أثبتت أنها قادرة على تنفيذ أغلبية الأعمال بسرعة تفوق كثيراً ما يتطلبه عمل الخبرة البشرية. من هنا يبرز السؤال عن آفاق المهن «التقليدية» في هذا العصر الرقمي، وفي هذا القرن الحادي والعشرين؟
الإجابة عن مثل هذا السؤال هي موضوع الكتاب الذي يقدمه «ريشارد سوسكيند»، الأستاذ في جامعة أكسفورد، ودانييل سوسكيند أستاذ الاقتصاد والباحث السابق في جامعة هارفارد كينيدي. ويكرس المؤلفان «الأب والابن» عملهما المشترك للبحث عن «مستقبل المهن».
وفي قراءتهما لمستقبل المهن يؤكد المؤلفان فكرة أساسية، مفادها أن هذه المهن التي شاع عنها طويلاً توصيف تردد كثيراً مفاده أنها «نشاطات ثابتة في عصر مضطرب» هي تواجه اليوم تحدي التجديد التكنولوجي و«سوف تتقهقر». وهما يقومان بالتحديد في تقديم ما يعتبرانه «المواصفات»، التي سوف تتوفر في«البدائل». وشرح أن هذه البدائل مرتبطة بشكل وثيق مع مفهوم «التجديد التكنولوجي».
هكذا نقرأ أنه في «مجتمع الإنترنت»، حسب تعبيرهما، سوف «لن تكون هناك حاجة ولا رغبة بوجود أطباء ومدرسين ومحاسبين ومهندسين معماريين ورجال كنيسة ومستشارين ومحامين وأرباب مهن عديدة أخرى للعمل بالطريقة، التي كانوا يعملون بها في القرن العشرين».
هذا يعني في أحد وجوهه أن المهن التي كانت بمثابة «درع أمان» للذين يمارسونها تجد نفسها عرضة للتهديد، كما العاملين فيها، إلى أقصى درجة في مجمل التاريخ الإنساني كله. ولا يتردد المؤلفان في كتابة أن «التكنولوجيا الرقمية تشكل مصدر التهديد الأساسي في نشوء حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي».
ومن التقديرات التي يقدمها المؤلفان في منظور المستقبل غير البعيد أن «نسبة 5 في المئة من المهن الحالية سوف تغدو مرتبطة بالآلات ــ الروبوت وغيرها ــ كما أن نحو 60 % من المهن قد تعهد بنسبة 30 % أو أكثر من نشاطاتها إلى الآلة، ونسبة هامة أيضاً من النشاطات المهنية في مجالات الطب والمال والكوادر العليا قد تستولي عليها التكنولوجيا».
