يطلقون في فرنسا على النظام السياسي الذي سبق قيام الثورة الفرنسية الكبرى في عام 1789 توصيف «النظام القديم». لكن ذلك النظام «القديم» بقيت آثاره واضحة حتى قيام «كومونة باريس» عام 1871. وكان نابليون بونابرت قد عرف بعد الثورة الفرنسية الكبرى تكريسه إمبراطوراً.

واعتبارا من ذلك التاريخ تمّ تقاسم السلطات في فرنسا بين السلطة التنفيذية التي تمثل الحكومة والسلطة التشريعية ممثّلة بالبرلمان والسلطة القضائية. و«قوّة الحكم» هو عنوان كتاب نيكولا روسيلييه، المؤرّخ والأستاذ في كليّة العلوم السياسية بباريس، والأخصائي بدراسة مؤسسات الدولة الفرنسية الحديثة. وموضوع هذا الكتاب، كما جاء في عنوانه الفرعي، هو «السلطة التنفيذية في فرنسا منذ القرن التاسع عشر حتى القرن الحادي والعشرين».

ويميّز المؤلف في دراسته لأنماط الحكم في فرنسا منذ عام 1870 وحتى اليوم بين نمطين أساسيين. النمط الأول ساد منذ سنوات السبعينيات في القرن التاسع عشر وحتى سنوات الثلاثينيات في القرن العشرين، حيث مارست المجالس المنتخبة نوعا من السيطرة الكبيرة على طريقة سنّ القوانين كما على عمل الحكومة.

ويشرح المؤلف أن فرنسا عاشت فترة استثنائية مضطربة أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية وخضوعها للاحتلال الألماني وما تلا ذلك من تعاقب الحكومات العديدة ذات الطابع المؤقت. وتركّزت المهمة الرئيسية لتلك الحكومات في إدارة فترة ما بعد الاحتلال النازي وما تركته تلك الفترة من أشكال التخريب الكبير في بنية المجتمع الفرنسي بشكل عام.

ويشير المؤلف إلى أن النظام الذي تبنته الجمهورية الفرنسية الخامسة القائمة حتى اليوم هو أقرب ما يكون إلى النظام الرئاسي. بل ويستخدم تعبير «الملكي الجمهوري» من أجل توصيف النظام الذي أشاده الجنرال شارل ديغول. ذلك على أساس أن الكثير من السلطات تعود فيه لرئيس الجمهورية، خاصّة فيما يتعلّق بمجالي الدفاع والسياسة الخارجية.

ومن الملامح الأساسية للقطيعة التي يمثلها دستور 1958 مع المبادئ التي قامت عليها ركائز الجمهورية الفرنسية «الثالثة» التي رأت النور في القرن التاسع عشر، وبالتحديد عام 1870، هناك واقع أن هدف تلك الجمهورية، المعلن على الأقل دستوريا، كان إعطاء الأولوية لما أطلقوا عليه تسمية «السيادة الشعبية» حيث كان البرلمان يلعب دور «القلب النابض» لذلك النمط من الحكم. وبهذا المعنى يرى المؤلف أن فرنسا لم تعرف في واقع الأمر «جمهورية واحدة» بل «جمهوريتين»، بدأت الثانية منهما عام 1958 ولا تزال قائمة حتى الآن.