من المعروف أن الأوروبيين يقولون بانتمائهم الأساسي إلى الحضارتين اليونانية والرومانية. ولا تزال خرائب «معبد دلفي» القديم شاهد على عمق الحضارة اليونانية، ولا يزال فلاسفة اليونان القديمة مثل أرسطو وسقراط وأفلاطون بمثابة المرجعيات الفلسفية والفكرية الأساسية، ليس على الصعيد الأوروبي فقط، ولكن على الصعيد العالمي.

لكن اليونان العريقة تعرف في السنوات الأخيرة أزمة كبيرة دفعت بها إلى حدود الهاوية. بهذا المعنى يتحدث الصحافي الأميركي من أصل يوناني ــ هو من الجيل الثاني من الأميركيين ذوي الأصول اليونانيّة ــ والمراسل السابق لـصحيفة «وول ستريت جورنال»، عن «خرائب اليونان الجديدة»، كما جاء في عنوان كتابه الأخير الذي اختار له عنواناً رئيسياً مفاده «الكارثة الكاملة».

يشير المؤلف بداية أنه أمضى عدّة أشهر في بلده الأصلي، اليونان، تحدّث أثناءها مع اليونانيين العاديين من مختلف المشارب والشرائح الاجتماعية حيثما جمعته الصدفة بهم. ولم يعتمد فقط على المقابلات العديدة التي أجراها مع الشخصيات العامّة، السياسية أو الاقتصادية.

وفي هذا الكتاب يشرح المؤلف الأسباب العميقة التي أدّت باليونان «الصغيرة» إلى حالة الخراب التي هي عليها اليوم. وهو يعود في البداية إلى الحديث عن الماضي اليوناني «المجيد» قبل أن ينتقل إلى حاضرها «الزاخر بالمخاطر» وإلى حالة التردّي الكبير التي تعرفها قرى اليونان ومدنها وجزرها التي تكشف عن مدى «الخلل في آليات عمل الدولة اليونانية»، كما يشرح المؤلف.

هذا «الخلل» وجد تعبيراته الأكثر بلاغة في نوع من «التمرّد الرامي إلى الامتناع عن دفع الضرائب» التي تغذّي خزينة الدولة. وارتفاع بعض الأصوات لدى شرائح من اليونانيين تطالب ألمانيا عن «تعويضات» عن سنوات احتلال اليونان أثناء الحرب العالمية الثانية. هذا على خلفية الاعتراض على السياسة الألمانية حيال الديون المترتبة على اليونان.

ومما زاد في تعقيد الوضع في اليونان بمختلف مظاهره يؤكّد المؤلف على النهج الخطير الذي عرفته الحياة السياسية اليونانية خلال السنوات الأخيرة. ذلك بالتحديد من خلال تحوّل العمل السياسي نحو إعطاء الأولوية للحصول على أصوات الناخبين ولو عبر «الممارسة ذات الطابع التجاري» في جميع عمليات الاقتراع، ومما يشكّل برأي المؤلف أحد الانحرافات التي قادت إلى الوضع المأزوم الراهن.

تجدر الإشارة أن المؤلف يكرّس أحد فصول هذا الكتاب للحديث عن «الانغلاق الدستوري» في اليونان. ذلك خاصّة من زاوية عدم امتلاك الحكومة صلاحية تسريح أحد العاملين في القطاع العام مهما أظهروا من قلّة كفاءتهم. ويتم في هذا الإطار التعرّض بالتفصيل لحادثة قيام اثنين من الموظفين في القطاع العام باغتيال «رئيس بلدية» إحدى البلدات، لكنهم حافظوا رغم ذلك على وظائفهم.

تجدر الإشارة أن المؤلف يكرس العديد من شروحاته للمواقف «المتباينة» التي ظهرت داخل الجسد الأوروبي «الموحّد». ومن الواضح أنه يولي أهميّة خاصّة لما يسميه «الاندفاع» الذي أبداه اليونانيون فيما يتعلّق بانضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي. ذلك على خلفية ما يمكن أن يقدّمه ذلك للاقتصاد اليوناني «المنهك» أصلاً. لكن لا يتردد المؤلف في التأكيد أن انضمام اليونان إلى الاتحاد الأوروبي أنعش اقتصادها في البداية.

والتأكيد أيضاً بالمقابل أن «المبالغ المالية الكبيرة» التي تمّ اقتراضها من بلدان الاتحاد الأوروبي الأخرى، وخاصّة من ألمانيا وفرنسا، لم يتم إنفاقها من أجل تنشيط وتعزيز الاقتصاد اليوناني. بل والإشارة أن قسماً كبيراً من تلك الأموال «اختفى» عبر مختلف آليات تزوير الوثائق والفساد.

يركز «جيمس انجيلوس»، أيضاً بأشكال مختلفة في هذا العمل، على تشخيص الأزمة اليونانية الراهنة بأنها في مظهرها الأساسي هي «أزمة ديون» حيال الأسواق المالية العالمية مما دفع إلى حالة «خراب اقتصادي واجتماعي» في ظل حالة من «الهلع»، وفي الوقت الذي تحاول فيه أوروبا أن تعمّق وتوسّع مسيرة توحيدها التي يمثّلها الاتحاد الأوروبي بدوله الـ 27 اليوم.

ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات لشرح الأسباب المباشرة والعميقة التي أدّت إلى «الانهيار المالي للبلاد». هذا قبل أن يقوم بدراسة مختلف المظاهر التي تمّت على أساسها معالجة الأزمة. والخروج من هذا بنتيجة مزدوجة تدعو في أحد جوانبها إلى «الأمل» بينما تثير الجوانب الأخرى «القلق» حيال مستقبل اليونان في العقود، بل في السنوات اللاحقة.

أحد مصادر القلق الرئيسية حيال المستقبل يجدها المؤلف في واقع أن الدولة اليونانية تعاني من عدد من أشكال «التناقض» ومن الأحكام «المسبقة» التي عمّقتها سياسة «التقشّف» التي تبنّتها حكومات يونانية متعاقبة بناءً على مطالب «شركاء» في الاتحاد الأوروبي.

ويشرح المؤلف في هذا السياق أن الأوضاع المالية التي وصلت لها اليونان ومعضلة مواجهة كيفية حلّ مشكلة الديون المتراكمة وما ترتب على ذلك من توترات على الصعيد الاجتماعي والسياسي وبروز حركة يمينية متطرّفة هي «الفجر المذهّب»، أمور تلقي كلّها بثقلها على مستقبل هذه البلاد.

وينتهي المؤلف من تحليلاته إلى التأكيد أن الخطر الحقيقي ليس في واقع «الوضع المأساوي» الذي وجدت اليونان نفسها فيه، ولكن بالأحرى في واقع أنه لا يبدو فيه أن هناك من يعرف «ما الذي ينبغي فعله» حيال الأزمة اليونانية التي لا يلوح أي حل فعّال لها في الأفق.