تحتل الصين المرتبة الثانية عالمياً على الصعيد الاقتصادي، وليست قليلة التوقعات التي تراها في المرتبة الأولى في أفق العقود القريبة المقبلة. والاستثمارات الصينية في الخارج تتعاظم أكثر فأكثر، والبنوك الصينية الخمسة الأولى تحقق أرباحاً زادت على 100 مليار يورو.

ولا شك أنه يمكن لهذه السلسلة من الأرقام والمؤشرات التي تذهب باتجاه تأكيد الصعود الصيني أن تطول، وهذا كله يمكن أن يعني أن الصين هي بصدد أن تقوم بـ«قفزة كبيرة إلى الأمام»، وستأخذ مكانة مرموقة، بل رائدة، على المسرح العالمي في الأفق القريب.

ولكنها ليست قفزة كبيرة إلى الأمام، بل هي بالأحرى «قفزة كبيرة في الضباب»، كما يشرح الصحفي الاقتصادي الفرنسي «غابرييل غريزيون» الذي عمل خلال سنوات 2005 ــ 2015 مراسلاً في الصين لجريدة «ليزيكو» الاقتصادية الفرنسية، في كتابه الذي يحمل عنوان «الصين.. قفزة كبرى في الضباب».

فإلى أين تذهب الصين؟

الإجابة عن هذا السؤال كانت لا تحتاج إلى الكثير من التفكير قبل سنوات قليلة، ذلك أنه كان هناك شبه إجماع كامل على أن التنين الصيني قد استيقظ، وأنه لا شيء يمكن أن يوقف مساره الصاعد نحو احتلال المرتبة العالمية الأولى على صعيد الاقتصاد العالمي، وما يترتب على ذلك على الصعيد السياسي وغيره، ودفع الولايات المتحدة إلى الوراء، لكن مثل تلك القناعة اهتزّت ولم تعد قائمة اليوم.

ما يؤكده المؤلف هو أن الاقتصاد الصيني يبدي بعض «مؤشرات التعب». وليس أقل هذه المؤشرات دلالة واقع أن معدّل النمو السنوي الصيني هو أدنى من عتبة الـ10 في المئة اعتباراً من عام 2011، ذلك على خلاف ما كان عليه في السنوات العديدة السابقة لذلك. والإشارة أن النمو الاقتصادي المنخفض يثير القلق لدى السلطات، ذلك أنه لا يسمح بتأمين جميع مستلزمات موجات «المهاجرين» الصينيين من أرياف البلاد نحو مراكزها الصناعية.

وفي المحصّلة النهائية، يصل المؤلف إلى التأكيد أنه لا بدّ للصين إذا أرادت أن تجد موقعها الثابت والمتقدّم في جوقة الأمم، أن تراجع العديد من الخيارات الاقتصادية ومن التوجهات السياسية السائدة، بل «ربما عليها أن تقوم بعملية (تغيير جذري) للكثير من مساراتها».