يطلقون على الهند عامّة توصيف «الديمقراطية الأكبر في العالم». ويتفق الجميع على أنها إحدى الدول الصاعدة بامتياز وأنها نجحت في إنقاذ مئات الملايين من الهنود من مستوى معيشة أدنى من عتبة الفقر إلى مستوى يقترب من مستوى معيشة الطبقات الوسطى.

وإذا كانت رفوف المكتبات قد شهدت سلسلة طويلة من الأعمال عن الاقتصاد الهندي الصاعد وعن الحياة السياسية في الهند فإن عدد الكتب التي تعنى بالبعد الثقافي يبقى محدوداً ومتواضعاً. ومن آخر هذه الكتب العمل الجماعي الذي تساهم فيه كثيراً وتشرف عليه المؤرّخة الهندية الشهيرة عالمياً «روميلا تابار» أستاذة التاريخ في جامعة «جواهر لال نهرو» في نيودلهي..

وعدد من الباحثين الهنود في العديد من المشارب العلمية والسياسية والفلسفية. وهم في أغلبيتهم الساحقة من الأساتذة الجامعيين في اختصاصاتهم. يحمل الكتاب عنوان «المثقف العام في الهند».

الموضوع الأساسي في هذا الكتاب هو دور المثقف الهندي في الحقبة الراهنة من تطوّر المجتمع.

ويتم في هذا الكتاب التمييز بين «المثقف العام» وبين المفهوم القديم الذي كان يدلّ على العاملين في حقل الفلسفة «في إطار المفاهيم المجرّدة» وبحيث يكون مجال عمله هو «البحث والدراسات» على خلفية مقولة سادت طويلاً مفادها أن الأفكار «تبقى وتتكاثر».

ومن الأفكار الرئيسية التي تتردد أيضاً في تحليلات هذا الكتاب تأكيد المساهمين فيه أن «المجتمع بحاجة إلى مثقفين عامّين ينتمون إليه وينخرطون في قضاياه».. ذلك على اعتبار أن مثل هؤلاء المثقفين «يعرفون كيف يطرحون الأسئلة الجيّدة في اللحظات المناسبة».

وتحدد روميلا تابار ثلاث مشكلات جوهرية يعاني منها المجتمع الهندي في اللحظة الراهنة وحيث ينبغي للمثقف العام أن يأخذ دوره الفاعل حيالها. المشكلة الأولى تخص «القبول الجماعي الصامت حيال إعطاء المعتقدات الدينية لوناً سياسياً».

والثانية تخص «العجز الكامل عن إمكانية القيام بنقاش علني لوجهات نظر تقوم على أساس حريّة الرأي». أمّا المشكلة الثالثة فتتمثّل في «التردد بقبول أي فهم عقلاني لحقيقة ما يعاني منه الهنود وما يعبّر عنهم حقيقة بدلاً من حالة المخاتلة التي أصبحت في صميم أنماط سلوكهم».

هذه المشكلات الثلاث تطرح نفسها بحدّة على المجتمع الهندي اليوم. وتتركز مساهمات هذا العمل حول فكرة «تفكيك» المفهوم المسيطر السائد الذي يدل عليه تعبير «هيندوتفا» الحديث نسبياً والذي يعني بصورة عامة «الانتماء الهندي». ويتضمّن «الاعتزاز» بأن يكون المرء «هندوسياً». كما يغطّي جميع الميادين انطلاقاً من المجتمع، مع القول برغبة إعادة كتابة تاريخ شبه القارّة الهندية، وحتى «غربلة» الإيديولوجيات السائدة.