من الأفكار السائدة عن علاقة الولايات المتحدة الأميركية بالعالم الخارجي أنها كانت باستمرار مرهونة بأحد منظورين. فإمّا اعتبار نفسها مسؤولة عمّا يجري في هذا العالم الخارجي وبالتالي مدعوّة للقيام بما يمليه عليها موقعها الرائد؛ وإمّا أنها معنية بالدرجة الأولى بالقضايا الداخلية الأميركية وبالتالي لا تولي الكثير من الاهتمام لما يجري خارج حدودها.
هذه الثنائية في الرؤية كانت قد وجدت انعكاساتها في السياسة الخارجية الأميركية من الاستقلال حتى اليوم. وهذه السياسة الخارجية الأميركية هي موضوع كتاب «بيرّي اندرسون»،المؤرّخ البريطاني وربما أحد أشهر المؤرخين في العالم من حيث قدرته على «التوليف» بين كمّ كبير من المعلومات والأستاذ في جامعة كاليفورنيا، والذي يناقش فيه «السياسة الخارجية الأميركية ومفكروها»، كما يقول العنوان الرئيسي للكتاب.
ويشير المؤلف في مدخل تحليلاته أن السياسة الخارجية الأميركية تمّت صياغتها بالدرجة الأولى على قاعدة التباينات، بل والخلافات، تبعا لطبيعة المصالح لدى القائمين عليها .
وينقسم هذا الكتاب بين قسمين ــ محورين ــ أساسيين. يمثّل القسم الأول نوعا من التحقيق حول المسار «المتعرّج» الذي عرفته السياسة الخارجية الأميركية من قيام «الجمهورية» حتى إدارة باراك اوباما.
القسم الثاني من الكتاب مكرّس لرسم الملامح الرئيسية للمستشارين «المفكرين السسياسيين» والخبراء الذين كان لهم باع طويل فيما يتعلق بصياغة السياسة الخارجية الأميركية.
ومما يؤكّد عليه المؤلف أنه رغم الهزيمة التي لحقت بالمعسكر الاشتراكي وتفكك «طليعته» الممثلة بالاتحاد السوفييتي السابق فإن البنى ومختلف الاستراتيجيات الخاصّة بالحرب وبعمليات الرقابة لم تتقلّص. بل على العكس توسّعت رقعتها بالتوازي مع تنشيط السياسة الخارجية الأميركية.
«المفكرون» الذين يتعرّض المؤلف ــ المؤرّخ لنقاش رؤيتهم وطريقتهم وأهليتهم على صعيد صياغة السياسة الخارجية الأميركية كُثر وليس أقلّهم شهرة زبيغنيو برزنسكي وفرنسيس فوكوياما وجورج كيغان وولتر روسيل ميد وغيرهم. ولا شكّ أن «اندرسون» لم يكن متساهلا: في أحكامه على العديد منهم وعلى رأسهم جورج كيغان الذي يقوم بتهديم اسطورته ويصفه بالمتقلّب والعصبي.
