هناك العديد من المنعطفات التاريخية الكبرى في مسيرة الإنسانية تتم الدلالة عليها بانتشار هذا الوباء أو ذاك. هكذا مثلا يتم الحديث عن «الطاعون الأسود» الذي انتشر في فرنسا في ثلاثينيات القرن الرابع عشر وفتك بنصف عدد سكانها. ولكن يبدو أن مثل هذه الأمراض الفتّاكة غدت تنتمي إلى الماضي.
وهذه الفكرة هي التي يرد عليها مؤلفان فرنسيان يشرفان على كتاب جماعي هما «اوريان تيلبو»، أستاذة العلوم السياسية في جامعة باريس الثامنة والأخصائية في مجال سياسات الصحّة العالمية و«فيليب سانسونيتي» الطبيب والأستاذ في الكوليج دو فرانس وفي معهد باستور. ويساهم فيه عدد من الباحثين في مجال الأوبئة.
يحمل الكتاب عنوان «عودة الأوبئة». ويتضمن أربع مساهمات أساسية تبحث في مجالات «توقع انتشار الفيروسات الوبائية» ومسافة الميل الأخير: هل ينبغي أيضا الاعتقاد بالتخلّص نهائيا من شلل الأطفال..
و"مرض نقص المناعة المكتسب ــالأيدزــ المنتشر في إفريقيا"، وأخيرا "النظام الصحي الدولي في مواجهة وباء ايبولا". هذا إضافة إلى مقدمة تليها مقابلة مع الطبيب "فيليب سانسونيتي" مكرّسة للبحث في مسألة "تكيّف الفيروسات دائما مع المتغيرات".
من المسلمات التي يتم الانطلاق منها في تحليلات هذا الكتاب القول إن الفيروسات والطفيليات المختلفة والجراثيم وكل الجزيئات العضوية التي تسبب الأمراض المعدية التي تنتقل من مريض إلى آخر تتعايش كلّها منذ الأزل مع الكائنات البشرية.
ومن المعروف للجميع أن العديد من الأمراض الوبائية القاتلة مثل "الكوليرا والملاريا" لا تزال تنتشر بين وقت وآخر في هذه المنطقة أو تلك من العالم. والإشارة أن "الملاريا" تسبب حتى اليوم وفاة ما يقارب المليون شخص سنويا. هذا رغم ما تمّ تحقيقه فعلياً من تقدّم على المستوى الطبي والرعاية الصحيّة.
ومن الأفكار الأساسية التي تتردد بأشكال مختلفة في هذا الكتاب تلك التي يؤكّد فيها المساهمون أن هناك نوعا من "الانبعاث الجديد" مع هذا القرن الحادي والعشرين للإحساس بالخوف والقلق من الوتيرة المتسارعة لظهور أوبئة "صاعدة"، حسب القاموس الشائع اليوم، يبدو أن البشر يعانون من العجز في مكافحتها والسيطرة عليها.
ومن الظواهر التي يتم التأكيد عليها في الكتاب أنه بالتوازي مع التقدّم الكبير الذي تمّ تحقيقه في المجال الطبي والتكنولوجيات ذات العلاقة مع الصحّة، شهدت الفيروسات نفسها نوعاً من "الطفرات" من حيث إنها غدت أكثر مقاومة للمضادات الحيوية. يضاف إلى هذا أن هناك عزوفا أكثر فأكثر عن الاستجابة لحملات التلقيح من قبل الجمهور العريض، حتى في البلدان المتقدّمة.
ويبقى السؤال الكبير الخاص بكيفية مكافحة الأوبئة وجعلها من ذكريات الماضي فقط؟ الإجابة الأكثر وضوحاً عن الآراء المطروحة حول هذا الموضوع قد تعبّر عنها الجملة التي وردت في مقابلة الطبيب فيليب سانسونيتي في هذا الكتاب ومفادها:
ستكون هناك دائما أمراض جديدة معدية. ذلك أن الفيروسات والجراثيم تتأقلم دائماً مع الأوضاع التي تواجهها. لكن يمكن تحسين عمليات الكشف عن تلك الأمراض ومحاصرتها إذا جرى تبنّي مقاربة شاملة بمقدار ما هي مبكّرة.

