هناك عواطف إنسانية يعيشها البشر ويعرفون أنها موجودة، بل أنها تحكم إلى درجة كبيرة سلوك البشر المعنيين بها. من بين هذه العواطف «الغيرة». وهناك الكثير من التوصيفات التي يطلقونها على الغيرة والتي يصل بعضها إلى وضعها، أي الغيرة، في مصاف «المرض المثير للعار». من هنا بالتحديد تغدو «عاطفة لا يمكن الاعتراف بها».

و«الغيرة. عاطفة لا يمكن الاعتراف بها» هو عنوان كتاب «جوليا سيسّا»، الاختصاصية بمجتمعات اليونان القديمة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. وتشير في مطلع تحليلاتها أن الأدب هو بمثابة «السلاح المطلق» في اجتثاث العناوين العريضة ــ الكليشيهات ــ ونقد مختلف الأفكار الشائعة.

وهي تقصد في سياق كتابها تلك «العناوين» التي تتردد حيال «الغيرة» وبأنها مجرّد التعبير عن «موقف صغير وفظّ». هذا في الوقت الذي ترى فيه المؤلفة أن الغيرة لم تكن دائما هي تلك «العاطفة المؤذية» التي يجدر التعبير عن «عدم احترامها».

في الصفحات الأولى من الكتاب تقدّم «جوليا سيسّا» نوعا من التوصيف الدقيق والمفصّل لواقع النظرة إلى «الغيرة» في المجتمعات الغربية وإلى حد كبير في العالم اليوم. وترى أنها «في أفضل الأحوال» هي بمثابة التعبير عن «الخيار السيئ» لصاحبها و«في أسوأ الحالات» هي بمثابة «انفعال يثير الخجل»، هذا عندما لا يتم الإعلان الصريح أنها التعبير عن «حالة مرَضية». ويعتبرها الكثير من المحللين أنها أحد الدوافع لارتكاب جرائم قتل.

ولا تكتفي جوليال سيسّا بإعلان خطأ الأفكار السائدة حول الغيرة بل انها «تسير عكس التيار» وتقترح تعريفا جديدا للغيرة مفاده أن:«الغيرة هي التعبير عن الخوف بأن لا يكون الحبّ متبادلا. إنها بالتالي عاطفة نبيلة تجد جذورها تحديدا في الخشية من فقدان الآخر».

ما يتم تأكيده في هذا السياق حسب الرؤية التي تعرضها مؤلفة الكتاب هو أن «انفجار الغيرة»، في أغلب الحالات، ليس ثمرة الهذيان ولا الهلوسة وأنما انعكاس لرؤية متبصّرة عميقة مؤشر على بروز الواقع في قلب أوهام عاطفة الحب. وتنطلق الغيرة عامّة من أشياء صغيرة تزرع الشكوك وتؤدي إلى تمزّق القناعة الثابتة لدى المعني بذلك الشك، بأنّه لم يعد الموضوع الوحيد لرغبة الآخر.