لا شك أن الصين الصاعدة غدت أحد أكثر المواضيع التي تتعرّض لها الدراسات والكتب في العالم اليوم. وذلك من مختلف وجوهها الحضارية والتاريخية والاقتصادية والسياسية ومكانتها في العالم وبمواجهة العالم.
وفي مثل هذا السياق عاد الاهتمام إلى البحث بأحد أكثر المنتجات عراقة في التاريخ الصيني كلّه، أي أوراق الشاي التي رمزت منذ القديم إلى الحضور الصيني في العالم. ولكن أيضا تواكبت فيما بعد مع البعد «الإمبراطوري البريطاني».
و«ماركمان إيلليس»، أستاذ الأدب في جامعة الملكة ماري في لندن يكرّس كتابه الأخير لتلك «الورقة الآسيوية التي غزت العالم»، كما يقول عنوانه الفرعي الذي اختار له المؤلف عنوانا رئيسيا مفاده «إمبراطورية الشاي».
تتوزع مواد هذا الكتاب بين 12 فصلا يفتتحها المؤلف بالحديث عن «اللقاءات الأوروبية الأولى مع الشاي» وتنتهي بفصل عن «الشاي في القرن العشرين».
ومرورا بفصول عن «تاريخية علاقة بريطانيا مع الشاي» منذ القرن السابع عشر. واعتبارا من القرن الثامن عشر ارتبطت عملية «استهلاك الشاي» مع الانتماء البريطاني. بل ويصل المؤلف إلى القول ان الشاي اصبح نوعا من «الرمز بالنسبة للهوية الوطنية» البريطانية.
هذا مع شرح المؤلف مطوّلاً أن الشاي كان في البداية بمثابة «رفاهية ــ لوكس ــ تقتصر على النخب»، لكن مع المتغيرات التي طرأت على التجارة وعلى السياسات الخاصّة بالضرائب تعمم استهلاك الشاي للجميع وغدت جلسات تناوله نوعا من المناسبات للتعبير عن العلاقات الوثيقة بين البشر.
وأيضا غدا لتناول الشاي «طقوسه»، فمثلا هناك تقليد بريطاني بحت لتناول «شاي الساعة الخامسة» التي يتم تناوله مع السكّر ومع كمية قليلة جدا من الحليب.
تلك العلاقة التي يناقشها «ماركمان إيلليس»، مؤلف الكتاب، من خلال عدّة فصول منذ تذوّق البريطانيين للشاي وحتى الوقت الذي غدا فيه الشاي بمثابة المنقوع الوطني الساخن في بريطانيا خلال الحقبة الفكتورية ــ فترة حكم الملكة فكتوريا.
بكل الحالات يبيّن المؤلف على مدى فصول الكتاب كيف أن الشاي غدا خلال أربعة قرون من حضوره في الحياة اليومية ذا «مدلول وطني عادي» بعد أن كان قبل ذلك تعبيرا عن شيء غريب تماما عن المجتمع البريطاني.
ذلك الانتقال في العلاقة مما هو غريب إلى ما هو «وطني» توازى، كما يشرح المؤلف، مع انتقال آخر للشاي من موقع كان الشاي يحتل فيه «صفة الدواء» مع امتلاك مؤهلات تنشيط كبيرة إلى موقع «كوب الشاي العادي» الذي يلقى استخداماً شعبياً واسعاً. هذا بعد أن كانت فكرة الشاي «مرتبطة إلى حد كبير مع فكرة الصين».
ويقدّم المؤلف كمدخل إلى موضوع الشاي نبذة تاريخية سريعة عن المسار التاريخي للشاي. ويشرح كيف أن هذه الشجيرة لها تاريخ في غاية التوثيق. ومن الثابت أن منقوع أوراقها بقي ذا هوية آسيوية خالصة لفترة طويلة قبل أن يعرف طريقه في القرن السابع عشر إلى المملكة المتحدة البريطانية.
وفي الفصل الأخير من الكتاب الخاص بـ«الشاي في القرن العشرين» يرى المؤلف أنه إذا كان جميع البريطانيين تقريبا يتذوقون الشاي ويقدّرونه بصورة إيجابية، فإن هذا لا يمنع واقع أنه لاتزال تملك بعض المؤشرات على وجود نوع من التمايز الاجتماعي. الأمر الذي يدل عليه وجود فئة أولئك الذين يمارسون من البريطانيين تناول «شاي بعد الظهر»، مقابل «شاي عمّال البناء»....الخ.

