«النظام القديم» في فرنسا تعبير يدل على النظام السياسي الملكي الذي سبق قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789. ذلك العالم القديم غدا من متاع الماضي بالنسبة للبعض، لكن الفرنسيين بأغلبيتهم يعودون له باستمرار على أساس أنه يمثل شريحة هامة من تاريخهم. وكان ذلك النظام قد استمر من القرن الرابع عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر، أي ما يقارب خمسة قرون من الزمن.
و«إيمانويل لوروا لادوري»، هو أحد المؤرّخين الفرنسيين الأكثر شهرة في هذه الحقبة الراهنة. وكان قد كرّس الكثير من جهده لدراسة عالم الأرياف في «النظام القديم»، كما كان قد كرس أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه لـ«الفلاحين في منطقة لانغدوك» الفرنسية في ظل ذلك النظام.
وهو يكرّس كتابه الأخير لعالم الفلاحين الفرنسيين من القرن الرابع عشر حتى نهايات القرن الثامن عشر تحت عنوان «الفلاحون الفرنسيون في ظل النظام القديم». تجدر الإشارة إلى أن صدور كل كتاب لــ«إيمانويل لو روا لادوري» هو حدث بحد ذاته. ولا يخفى على أي مهتم أن مساهماته العديدة من دراسات، وكتب من أجل فهم العالم الريفي في ظل النظام القديم كبيرة واستثنائية.
تجدر الإشارة إلى أن المؤلف ــ المؤّرخ هو أحد مؤرّخي ما يسمى «مدرسة الحوليات» لكتابة التاريخ، أو «المدرسة الفرنسية التاريخية الجديدة» التي كان قد أرسى أسسها في ثلاثينيات القرن الماضي، العشرين، ارنست بلوك ولوسيان فيفر وفرنان بروديل.
ومن السمات الرئيسة لهذه المدرسة أنها لا تولي الأهمية الأولى للأحداث التاريخية، ولكن بالأحرى للسياقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والبيئية التي أسهمت «على المدى الطويل» في صياغة التاريخ.
وفي هذا الكتاب يقدم «ايمانويل لو روا لادوري» خبرة حياة كاملة أمضاها في البحث في تاريخ «النظام القديم». وهو يصوغ فيه الخطوط العريضة لتاريخ الفلاحين الفرنسيين على مدى أربعة قرون امتدت من «الطاعون الأسود» في القرن الرابع عشر، وبالتحديد عام 1348 و«حروب المئة عام»..
وما أودى بحياة نصف الفرنسيين، أي 10 ملايين من أصل الـ 20 مليوناً كانوا يمثّلون العدد الإجمالي لسكان فرنسا، وحتى الثورة الفرنسية في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الثامن عشر.
ومن السمات التي يرى المؤلف أنها تزامنت مع وصول عصر التنوير هناك «تناقص مظاهر العنف» في المجتمع. ويشير إلى أن هناك سلسلة طويلة من المؤشرات التي تدل على الميل إلى جعل حياة المجتمع أكثر سلاماً. وهذا ما تمّت «ترجمته ما بين عام 1700 وعام 1800 بتلطيف واضح لأخلاقيات البشر»، كما يكتب مؤلف الكتاب.
ويربط المؤلف خلال الفترة المدروسة من التاريخ بين الأرض وبين البشر. ويشمل هذا التاريخ النواحي الاقتصادية والاجتماعية وتطور الذهنيات.
ويشرح على مدى العديد من فصول الكتاب نمط عيش الفلاحين الفرنسيين في ظل النظام القديم، وما كانوا يعانون منه من سلبيات لم يكن أقلّها تفشي الأمية بين نسبة كبيرة ـ الأغلبية منهم ــ والنزاعات ذات الطابع العقائدي بين الكاثوليك والبروتستانت بصورة خاصّة. ويكرّس المؤلف فصلاً خاصاً لـ«تمرّدات الفلاحين الكبرى» في القرن السابع عشر.
ومن السمات الأساسية التي يؤكدها «لوروا لادوري» بالنسبة للفلاحين الفرنسيين في ظل النظام القديم هناك «التنوّع الكبير في شروط حياتهم». والإشارة إلى أنه في هذه التنوّع تتواجد في الواقع «الجذور العميقة» للتاريخ الفرنسي.

