لا شك أن الثورة الرقمية غيّرت الكثير من حياة البشر في زمن قياسي يتم التعبير عنه بالعقود بينما كانت التغيرات في العصور السابقة تقاس بالقرون وربما بآلاف السنوات. لكن الثورة الرقمية التي يعيشها العالم لا تحمل التغيير الكبير فحسب، لكنها تحمل أيضاً الكثير من أشكال التهديد.
ولا يتردد «بول ميزون»، مقدّم البرامج التلفزيونية الناجحة الشهير على القناة الإنجليزية الرابعة، في القول إن الثورة الرقمية تحمل معها تبدلاً اقتصادياً ينعته بـ «الزلزال» في كتابه الأخير الصادر مؤرّخاً تحت عنوان «ما بعد الرأسمالية» ويقدمه كـ «دليل من أجل مستقبلنا»، كما يشير عنوانه الفرعي.
الموضوع الرئيسي في هذا الكتاب هو بالتحديد ما يسميه المؤلف «الخطر الوجودي التي تثقل فيه الثورة الرقمية على الرأسمالية». وهو يقدّم تحليلاته في التغيّر الذي سوف يعرفه المستقبل في مختلف جوانب النشاطات الاقتصادية تحت تأثير الثورة الرقمية.
ويشرح على مدى فصول الكتاب كيف أن هذه الثورة الرقمية تملك القدرات التي تجعل بمستطاعها القيام بعملية «إعادة صياغة كاملة لمفاهيم أساسية وشائعة في ظل المنظومة الرأسمالية». ذلك مثل مفاهيم «العمل» و«الإنتاج» و«القيمة».
وبموازاة ذلك، برزت ظاهرة جديدة تتمثّل في تعاظم عمليات «الإنتاج العفوي» عبر تطبيق مبدأ التعاون. هكذا ظهرت سلسلة من السلع والمنتجات والخدمات والمنظّمات التي لا تخضع مباشرة وبطريقة فيها الكثير من الإرغام لقوانين السوق ولأشكال التراتبية وسلّم تسلسل المراتب في مجال الإدارة.
ومن الأفكار التي يقدّمها بول ميزون قوله إن المسألة لا ترتبط بالعجز عن تحقيق ذلك ولكن الأسباب هي اجتماعية بحتة.
يبقى أحد الخطوط الناظمة لتحليلات هذا الكتاب يتمثّل في القول إن الرأسمالية عرفت خلال القرنين الأخيرين الكثير من التبدّلات التي دفعتها إليها الأحداث الجارية وما نجم عنها من أوضاع جديدة. هكذا عرفت كيف تنهض من أزمة اقتصادية كبرى عرفتها سنة 1929 والسنوات الأولى من عقد الثلاثينيات في القرن الماضي. وفي جميع الحالات خرجت «بثوب جديد ومعززة أكثر».
