عندما توفي الشاعرالفرنسي الكبير لويس اراغون استهلّت القنوات التلفزيونية نشراتها الإخبارية بإعلان من رئاسة الجمهورية عن رحيله. ذلك على اعتبار أنه أحد القمم الأدبية في التراث الفرنسي إلى جانب روسّو وفولتير وفكتور هوغو وارتور رامبو وغيرهم.
و«اراغون» هو عنوان كتاب ضخم يقارب عدد صفحاته الـ 900 صفحة صدر قبل أسابيع قليلة. مؤلفه هو «فيليب فوريست»، الكاتب والروائي الفرنسي، الذي يقدّم فيه سيرة حياة الشاعر الكبير بالاعتماد على أعماله وعلى الوقائع الأكثر بروزاً التي شهدتها سيرته.
وإذا كانت هذه السيرة تعطي بعض المعلومات عن سيرة حياة اراغون وعن نسبه وأسرته وبأنه ولد غير شرعي لمحافظ شرطة سابق، فإنها بالدرجة الأولى «سيرة أدبية»، وحيث إن كاتب السيرة لا يجهد في الكشف عن «خبايا» في سيرة حياة الشاعر الكبير الذي ينقل عنه قوله إنه «لا يتذكر شيئاً من الزمن الذي لم يكن يكتب فيه».
ولعلّ هذه هي نقطة التميّز الكبرى لهذا العمل الذي يقارب فيه مؤلفه سيرة الشاعر الكبير من موقع المؤرّخ والناقد الأدبي الذي يأخذ مسافة تسمح له برؤية أكثر موضوعية بالقياس إلى الأعمال السابقة التي خصّ أصحابها «اراغون» بها، ذلك أنهم كانوا جميعهم من رفاق نضاله السياسي.
تجدر الإشارة إلى أن هذه هي «السيرة الثالثة» لأراغون الذي ترك بصماته على الحقبة التي عاش فيها من موقعه كشاعر وروائي ومناضل سياسي. السيرتان السابقتان كتبهما «بيير ديكس» الذي يشير مؤلف السيرة الجديدة، أنه «مدين له بالكثير»، و«بيير جوكان»الذي «قدّم كمّاً كبيراً من المعلومات عن اراغون»، كما يشير «فيليب فوريست». كاتبا السيرتان السابقتان عرفا اراغون عن قرب.
ومما يؤكّده مؤلف هذه السيرة هو أنه لم يعرف شخصياً «اراغون». لكنه «لمحه» من بعيد في نهاية عقد الثمانينيات الماضي على رأس مظاهرة للاحتجاج ضد نشر شبكة صواريخ أميركية في القارة الأوروبية. ويشير إلى أنه عند وفاة الشاعر كان عمره 20 سنة فقط. وبالتالي تأتي هذه السيرة بقلم «كاتب» عن «كاتب» آخر أثار لديه الكثير من الإعجاب و«تعرّف عليه عبر الأدب».
من السمات الأساسية التي يؤكّدها كاتب هذه السيرة هو أن «لويس اراغون» كان «ذا شخصيّة في غاية التعقيد». وأنه حرص بالتالي على أن يبقى «وفيّاً» لتلك السمة ويقدّم صاحب السيرة من مختلف وجوه شخصيته. هذا مع التركيز على وجهين أساسيين هما «المبدع» و«المناضل».
ويؤكّد كاتب هذه السيرة أن السنوات الأخيرة من حياته كانت مكرّسة لتأكيد إخلاصه لبداياته الأولى كأحد «السرياليين». هكذا عاد لما كان قد كتبه في عمله الذي يحمل عنوان: «فلاّح في باريس» وما نجد أصداءه في كتابات تلك السنوات الأخيرة من حياته. بل ولا يتردد كاتب هذه السيرة في أن يرى بـ «فلاّح في باريس» العمل الذي يمثل «الرائعة الأدبية للسريالية».
ومن السمات التي يؤكّدها المؤلف لدى «اراغون»، المبدع في مجال الأدب شعراً ونثراً، هو أنه كان باستمرار شديد التعلّق بـ «الواقعية».
وما يؤكّد عليه «فيليب فوريست» هو أن «لويس اراغون» بكل تناقضاته ووجوهه المتعددة يبقى «أحد معالم القرن الماضي البارزة». فهو رجل «ارتبط بحقبته» وعاش التزاماته بقضاياها وعانى من التمزقات التي أفرزتها وهو الذي عاش حربين عالميتين، الأولى والثانية، ولم يتردد في توجيه النقد لما اعتبره يستحق ذلك «بما في ذلك نفسه».

