قيل وكتب الكثير عن الصين والمعجزة الصينية خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وليس من المبالغة القول أنه هناك عشرات،بل مئات، الكتب التي جعلت من الحديث عن الصين الصاعدة التي هي بصدد تصدّر القوى الاقتصادية في العالم موضوعا لها. وكم مرّة نسمع فيها في اليوم أحيانا أن الصين هي القوة الاقتصادية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية؟

لكن هل كل ما يقال ويتردد يكون كافيا دائما للتعبيرعن حقيقة ما هو قائم في الواقع؟

هذا الواقع الذي يغاير الصورة السائدة عن الصين هو بالتحديد الذي يستعرضه «جيريمي ر. هافت»، أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج تاون«الأميركية، ومؤسس العديد من الشركات في أميركا وفي العديد من مناطق العالم، في كتابه الذي يحمل عنوان»ليس من صنع الصين«.

ويرى بالمقابل أنه يكفي النظر بشيء من الانتباه إلى انتشار جملة» من صناعة الصين«على المنتجات، ابتداء من الألبسة الجاهزة حتى عصائر التفاح وغيرها من عصائر الفواكه.. ووصولا إلى المنصّات البترولية في البحار، لفهم أن الواقع يقول شيئا آخر غير المفهوم الشائع أن الصين هي في طليعة القوى الاقتصادية في عالم اليوم. بل وتمكن ملاحظة أنها ليست عملاقا على صعيد الانتاج الداخلي.

إن المؤلف»يرفع الغطاء«، كما يشير في المقدمة، عن»العالم الخفي لسلاسل التزويد المعقّدة بالسلع والمنتجات في الصين«. ويشير أنه اكتسب خبرة كبيرة في هذا الميدان من خلال عمله لسنوات عديدة في بناء مؤسسات جديدة في الصين.

لكن المؤلف لا يرى أن الصين تعاني اليوم من أزمة اقتصادية على غرار ما عرفته بلدان آسيوية عديدة عام 1998 مثل تايلندة وأميركا الجنوبية.

وفي الفصل الأول من الكتاب يقوم»جيريمي ر.هافت«،كخطوة أولى، بمحاولة تفكيك ما يسمي»الأساطير الثلاث«السائدة عن الصين في الأذهان اليوم. ويحددها كالتالي:»أسطورة أن الصين تتأهّب لتجاوز الولايات المتحدة الأميركية«و»أسطورة أن كل شيء من صنع الصين«وأخيرا»أسطورة أن التلاعب بالعملة الصينية له كلفتها الباهظة«.

لكن يضع المؤلف في رأس قائمة الأخطار أن المنتجات الصينية التي يتم تصنيعها تبعا للمعايير الصينية ولا تستجيب في الكثير من الحالات، وفي أغلبيتها ببعض الحالات، للمعاييرالدولية في مجال النوعية ومن زاوية المواصفات التي يتم تحديدها دوليا.

يرى مؤلف الكتاب أن أشكال المخاطر و»الخلل المنهجي«في الاقتصاد الصيني نفسه تخلق فرص عمل كثيرة ــ بالملايين ــ في الولايات المتحدة. ومن هنا بالتحديد يشكّل هذا العمل وسيلة لفهم العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأميركية.

والميزتان الأساسيتان في هذه العلاقات، كما تبدو في التحليلات المقدّمة، هما أن الأولى تبيّن من جهة»هشاشة الاقتصاد الصيني«وأنه»ليس بالقوّة التي كان أغلبية البشر يقبلونها «، ومن جهة ثانية تبيّن الأخرى تأثير ذلك على الولايات المتحدة الأميركية».

إن هذا الكتاب يمثّل في أحد وجوهه نوعا من النقاش حول الفكرة القائلة إن «المستقبل الاقتصادي للصين سوف يحدد مستقبل العالم». لكن المؤلف يركّز بالأحرى على حقيقة التحديات التي تواجهها الصين. ويشرح «جيريمي ر. هافت»على ضوء هذه التحديات أن فكرة «انحطاط أميركا الصين الصاعدة إنما هي فكرة فيها الكثير من التبسيط في أفضل الأحوال، وهي فكرة خادعة في أسوأها».