لا يخفى على أحد أن هناك نقاشاً كبيراً يدور في فرنسا حول موقع المسلمين في النسيج المجتمعي الفرنسي. ولا يخفى على أحد أيضا أن بعض القوى السياسية الفرنسية وعلى رأسها حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرّف قد جعل من الهجرة عموما ومن الوجود الكبير للمسلمين بشكل خاص أحد مصادر الخطر الكبرى على الهوية الوطنية الفرنسية.
بالمقابل يسود الإحساس لدى قسم هام من المسلمين الفرنسيين أو المسلمين المقيمين في فرنسا أنهم يعانون من التهميش داخل المجتمع الفرنسي. باختصار هناك تساؤلات كثيرة يتم طرحها من مختلف الأطراف حول مكانة ودور ومستقبل المسلمين في فرنسا اليوم.
وتحت عنوان «وضع فرنسا» يطرح المفكر الليبرالي الفرنسي «بيير مانون»، أحد ورثة المفكر الكبير ريمون آرون، رؤيته بالنسبة لوضع المسلمين ودورهم ومستقبلهم في المجتمع الفرنسي. وهو يقترح في هذا العمل نوعا من «العقد الاجتماعي» الذي يجد فيه «الفرنسيون المسلمون على أساسه مكانهم ومكانتهم في المجتمع على اعتبار أنهم مواطنون ولهم معتقداتهم التي يؤمنون بها».
يقدم المؤلف في بداية تحليلاته لـ «الوضع في فرنسا» توصيفا لوضع المسلمين فيها بعيدا عن ذلك الجدل الدائر في مختلف الاتجاهات المتناقضة إلى درجة التطرّف ليطرح فكرة واضحة تعبّر عنها جملته التالية: «ينبغي على نظامنا أن يقبل بوضوح لا لبس فيه عاداتهم، ذلك أن المسلمين هم مواطنونا. ونحن لم نفرض شروطاً من أجل إقامتهم بيننا كي يكونوا قد خرقوها».
هذا مع تأكيد المؤلف أنه لم يوجد أصلاً في «العقد الضمني» الذي قام بين فرنسا والمهاجرين إليها، الذين قدموا بطلب صريح منها في فترات الازدهار الاقتصادي خلال ما عُرف بـ «الثلاثينات المجيدة» بعد الحرب العالمية الثانية، لا يتضمّن ــ أي «العقد الضمني» ــ أن يتخلّى هؤلاء المهاجرون عن عاداتهم الخاصّة، باستثناء تلك التي تتعارض مع نمط الحياة الفرنسي.
ويشرح المؤلف أن اندماج المسلمين في النسيج المجتمعي الفرنسي يعني بالوقت نفسه اندماجهم في «أمّة عريقة» تتعايش فيها مختلف المعتقدات الدينية. ويرى أن كل نهج سياسي يتجاهل هذا الواقع «مآله الفشل»، فضلاً عن أنه يعرّض الجسد الاجتماعي العام للتفسّخ.
