يعرف العالم حالة من تعاظم العنف ذي الطابع الإرهابي من عمليات الخطف والقتل وحتى السيارات المفخخة والتفجيرات بشتى الوسائل. أمام مثل هذه الموجة التي شهدتها مناطق عديدة في العالم، وكانت تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001 هي من أهم منعطفاتها بالنسبة للعالم الغربي، الذي أثبتت أجهزته المختصّة عجزها عن كشف تلك العمليات قبل وقوعها.

واقع «العجز» الذي أبدته الأجهزة الغربية المختصّة في مكافحة الإرهاب مهما كان مصدره هو بالتحديد موضوع كتاب «الان بوير»، الخبير الشهير دولياً في عالم الجريمة والأستاذ في جامعات باريس ونيويورك وبكّين، ومؤلف العديد من الكتب في مجال اهتمامه. يحمل الكتاب، الصغير الحجم والبالغ الأهميّة، عنوان: «من هو العدو؟».

يبدأ المؤلف بتأكيد ما يعتبره «مسلمّة» سادت لقرون مفادها أنه كان من السهل باستمرار فهم الحروب والنزاعات بالاعتماد على وجود «سبب وعدو ونشوب حرب». وتلك الأمور كلّها كانت مرئية للعيان بشكل واضح ويمكن تحديد هويتها والقوى المنخرطة فيها.

لكن مؤلف الكتاب يرى أن الأمور تغيّرت وأصبح الأمر أكثر تعقيداً. ذلك أن مصادر الإرهاب غدت أكثر غموضاً وبالتالي من الصعوبة أكثر الكشف عنها من قبل أجهزة الأمن المعنيّة. بل لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد أن تنوع مصادر الإرهاب والجريمة المنظّمة وتعدد أشكال المنطق التي يعتمدها القائمون فيه «سيرغم أجهزة الأمن في الغرب على تجديد مقارباتها».

ويصل المؤلف في تحليلاته إلى القول أن نمطاً جديداً من العنف ذي الطابع الإرهابي قد برز في هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ذلك أن العديد من «الجانحين الصغار» تحوّلوا إلى ممارسي عنف محترفين باسم العديد من القضايا ذات المطالب السياسية. ويشير في هذا السياق أن العديد من هؤلاء، بالنسبة للحالة الفرنسية، أصبحوا في عداد المتشددين والراديكالين أثناء إقامتهم لفترات من الزمن في السجون.

إن المؤلف يكرّس العديد من صفحات هذا الكتاب لشرح كيف أن الثورة الرقمية وما أنتجته من ثمرات على الصعيد التكنولوجي دفعت السلطات في العالم الغربي إلى نوع من «رفع الآلة إلى قدرة فعل المعجزات» وبالتالي جرى تهميش دور «الدماغ البشري».

ولا يتردد «الان بوير» بالرد أن ذلك كان بمثابة «خطأ فادح» دفع ثمنه الكثير من الأبرياء حياتهم. يكتب المؤلف: «إن المنظومات التكنولوجية مفيدة من أجل تثبيت أو رفض الفرضيات التي يضعها البشر. لكنها لا يمكن أن تحل مكان هؤلاء بأي شكل كان».

ومن النتائج النهائية التي يؤكّد عليها المؤلف أن الإرهاب بصيغة «المفرد» أصبح إرهاباً بصيغة «الجمع». فهناك الإرهاب الذي يقوم به محترفون لحساب دول وإرهاب المجموعات التي أسستها الدول ثمّ خرجت عن طاعتها لتعمل لحسابها الخاص. وهناك الذين تحوّلوا من عالم الجريمة المنظّمة إلى عالم الإرهاب. ويسأل المؤلف «من هو العدو إذن في الحقيقة؟».

ويجيب أنه حان الوقت للخروج من «منطق الفكر الجاهز في مجال مكافحة الإرهاب» والانطلاق في «منطق مكافحته تبعا للحالات». ويدعو بالتالي إلى القيام بـ «صدمة ثقافية حقيقية» للخروج من الحرب الباردة التي تجاوزها الزمن ومحاولة التعرّف على أعداء الغرب الذين ساهم هو نفسه في صنعهم، حسب تحليلات المؤلف.